المسكوت عنه (2)..!!

استكمالا لمقاتلي السابق المسكوت عنه والذي تناولت خلاله أحد السيناريوهات التي قد تنتهي إليها الحرب الإيرانية الأميركية وقد فصلت أن افرد للجانب الإسرائيلي مقالا خاصا وذلك حرصا مني على عدم الإطالة.
يُنظر إلى فكرة “التحالف الوظيفي” أو “الصفقة الكبرى” بين إيران وامريكا في الأروقة السياسية الإسرائيلية ككابوس استراتيجي أو “خيانة تاريخية”، وهو ما يفسر التحركات العسكرية والسياسية المكثفة التي شهدها عامي 2025 و2026.
يمكن تلخيص موقف إسرائيل في النقاط التالية:
1. الرفض الوجودي لـ “الشرعية الإقليمية”
تعتبر إسرائيل أن أي اعتراف أمريكي بنفوذ إيران الإقليمي هو بمثابة منح “ضوء أخضر” لطهران لإكمال مشروع “الهلال الشيعي” وتطويق إسرائيل بالوكلاء بشكل دائم. بالنسبة لتل أبيب، إيران ليست “دولة طبيعية” يمكن التنسيق معها وظيفياً، بل هي نظام أيديولوجي هدفه النهائي تصفية الدولة العبرية.
2. “خيار شمشون” الدبلوماسي
في حال مضي واشنطن قدماً في “صفقة كبرى” (Grand Bargain) لا تضمن تفكيكاً كاملاً للبنية التحتية النووية والقدرات الصاروخية، تتبنى إسرائيل استراتيجية العمل المنفرد.
شاهدنا ذلك عملياً في يونيو 2025 عندما استهدفت إسرائيل مفاعل “آراك” للماء الثقيل بشكل مستقل.
الرسالة الإسرائيلية واضحة: “لا تُلزمنا أي اتفاقات لا نكون طرفاً فيها أو لا تحقق أمننا المطلق”.
3. التخوف من “الانسحاب الأمريكي”
خيار “الانكفاء المتبادل” يثير رعباً في إسرائيل؛ لأن انسحاب المظلة العسكرية الأمريكية من المنطقة يعني تحول المواجهة إلى صدام مباشر (إيراني-إسرائيلي) دون “كوابح” أمريكية. لذا، تسعى إسرائيل دائماً لربط المصالح الأمريكية في المنطقة بضرورة “ردع إيران” وليس “التصالح معها”.
4. الرهان على “تغيير النظام” لا “احتوائه”
بينما قد تفكر واشنطن في خيارات اقتصادية أو تنسيق وظيفي، تصر إسرائيل على أن الحل الوحيد المستدام هو تغيير النظام أو إضعافه لدرجة الانهيار الداخلي.
في فبراير 2026، شنت إسرائيل مع الولايات المتحدة ضربات واسعة استهدفت القيادات الإيرانية والحرس الثوري، مما يعكس الرغبة في استغلال الاحتجاجات الداخلية الإيرانية لتحقيق هدف التغيير الجذري، بدلاً من التعايش مع النظام القائم.
إسرائيل ترى في أي تقارب (أمريكي-إيراني) “فخاً” سيؤدي في النهاية إلى تقوية إيران اقتصادياً دون تقييد نفوذها العسكري. لذا، هي تفضل استمرار حالة “الصراع النشط” أو الحسم العسكري المباشر على أي صيغة تعايش تمنح طهران مكانة “اللاعب الإقليمي الشرعي قد يجبر إسرائيل على إعادة حساباتها، لذا هي تعمل بنشاط على إفشال هذا التوجه، وقد انتقلت من مرحلة “المعارضة السياسية” إلى مرحلة “الفرض العسكري للواقع الجديد” خلال العامين الأخيرين (2025-2026).
عمدت اسرائيل على إفشال أي طرح يسمح لإيران أن تستقر ويصبح لها نفوذ واسع في المنطقة.
إليك الأسباب التي تجعل إسرائيل ترفض هذا الطرح قطعياً، رفض الوجودي للاعتراف بالنفوذ فبالنسبة لإسرائيل، أي صفقة تمنح إيران دوراً إقليمياً أو اعترافاً بمصالحها هي “انتحار استراتيجي”. إسرائيل ترى أن النظام الإيراني ليس “لاعباً عقلانياً” يمكن الوثوق به في اتفاقية “عدم تدخل”، بل هو نظام يسعى أيديولوجيا إلى تطويقها لذا لم تنتظر نضوج أي خيارات دبلوماسية “مسكوت عنها” بين واشنطن وطهران، بل قامت بتحركات حاسمة.
ففي يونيو 2025: شاركت إسرائيل في ضربات جوية (مع أو بدعم أمريكي) استهدفت المنشآت النووية الإيرانية، مما عكس رفضها لأي تفاهمات تبقي على القدرات النووية الإيرانية.
وفي فبراير 2026: تصاعد الموقف بشكل غير مسبوق عبر عملية “الغضب الملحمي” وهي عملية عسكرية مشتركة مع الولايات المتحدة استهدفت مراكز القيادة في طهران ومدن أخرى، وأدت إلى مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي. هذا التحول الجذري يثبت أن إسرائيل دفعت باتجاه “تغيير النظام” كخيار وحيد، بدلاً من “التحالف الوظيفي”.فهي تتخوف من تقلبات السياسة الأمريكية.
وتخشى من أن إدارة ترامب (أو أي إدارة أمريكية) قد تسعى لاتفاق سريع ينهي الحروب المكلفة ويؤمن المصالح الأمريكية الاقتصادية، حتى لو كان ذلك على حساب أمن إسرائيل طويل الأمد. لذا، هي تتبع سياسة “حرق الجسور”؛ أي القيام بعمليات عسكرية تجعل العودة إلى طاولة المفاوضات مستحيلة على الطرفين.
وتسعى إلى استغلال الضعف الداخلي الإيراني ، مثل الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها إيران في أوائل عام 2026، مع تدهور الاقتصاد، فكانت لها فرصة تاريخية لا يجب إضاعتها في مفاوضات.
قبول خيار “التعايش” الآن يعني منح طوق نجاة لنظام يترنح ولن تقبل بأقل من “تفكيك كامل” للمشروع الإيراني (النووي والصاروخي والإقليمي). وبما أن هذا المطلب شبه مستحيل التحقيق دبلوماسياً، فإنها اختارت مسار التصعيد العسكري الشامل الذي نراه الآن في 2026، لفرض واقع جديد يمنع واشنطن وطهران من التفكير في أي “صفقة كبرى” مستقبلاً.
لذا اعتقد أن الصراع الدائر صراع اسرائيلي أمريكي أكثر منه إيراني أمريكي، فقد استخدمت إسرائيل كل اوراق الضغط لتدفع أمريكا نحو المواجهة والاجتياح البري للأراضي الإيراني من أجل مشروعها السياسي التوسعي الذي صبغته بصبغة دينية لإلهاب مشاعر الصهاينة في مختلف الدول خاصه في امريكا ترسانة الأسلحة ومنقذها للزج لها في آتون الحرب.
أمريكا الآن بين المطرقة والسندان بين الضغط الإسرائيلي من جهة والضغط الشعبي من جهة أخرى.
جميع السيناريوهات متوقعة لو انتصر الضغط الشعبي وتخلت أمريكا عن تحقيق أحلام اكبر قاعده عسكرية لها في المنطقة سيصبح نتنياهو شمشون العصر الحديث هو وحكومته المتطرفة وسيفعل المستحيل لإفشال اي خطوة على خلاف هواه وسيسحق اي برعم لغصن زيتون يحاول أن يشق طريقه نحو النور، ولن ينقذ الموقف سوى حكومة جديدة معتدلة تعيد ترميم ما تهدم.
بقلم عبير مدين
كاتبة سياسية روائية


