بين الشرائع والمعاملات تسقط القيم!!

المشكلة في مجتمعنا ليست نقص الكلام عن الدين… بل كثرة استخدامه كغطاء.
فبعض الناس اكتشفوا طريقة مريحة جدًا لطمأنة ضمائرهم: يؤدّون بعض الشعائر، ثم يظنون أن الحساب انتهى، وأن كل ما بعد ذلك مجرد تفاصيل صغيرة يمكن تجاوزها.
هنا يبدأ أخطر أنواع الخداع… خداع النفس.
فجأة يصبح الظلم مجرد “خلاف”،
وأكل الحقوق “شطارة”،
وتعطيل مصالح الناس “روتين”،
والكذب “مجاملة”،
والتشهير بالناس “فضفضة”.
كل شيء يمكن تبريره… طالما أن الصورة العامة تبدو متدينة.
المأساة الحقيقية أن كثيرين لم يعودوا يرون المشكلة أصلاً.
فمن يظلم شريكًا في مال، أو يحرم وارثًا من حقه، أو يتعمد إيذاء إنسان لأنه أضعف منه… لا يشعر أنه ارتكب كارثة أخلاقية.
بل قد ينام مطمئنًا تمامًا… لأنه مقتنع أن ما يفعله “حقه”.
هنا تسقط القيم بصمت.
فالدين حين يتحول إلى طقوس منفصلة عن السلوك، يصبح أداة لتسكين الضمير لا لإصلاحه.
ويتحول الإنسان من محاسبة نفسه… إلى البحث عن مبررات لها.
وهكذا يتشكل أخطر أنواع النفاق الاجتماعي:
أن يتحدث الناس كثيرًا عن الفضيلة… بينما حياتهم اليومية تسير بمنطق القوة والمصلحة والقدرة على الالتفاف.
في هذا المناخ تختلط المفاهيم.
فيُتهم صاحب الضمير بالسذاجة، ويُمدح صاحب المكر بالذكاء، ويصبح احترام الحقوق ضعفًا… بينما استباحتها مهارة.
ومع الوقت لا تنهار القيم بصوت مرتفع… بل تتآكل ببطء، حتى يكتشف المجتمع متأخرًا أن الكلمات الكبيرة التي يرددها لم تعد تعني شيئًا في الواقع.
المجتمعات لا تُقاس بكمية الشعارات الأخلاقية التي ترفعها…
بل بمدى التزام الناس بها حين تتعارض مع مصالحهم.
وعندما يصبح التدين مجرد عنوان اجتماعي، بينما المعاملات قائمة على الظلم والأنانية… فالمشكلة لم تعد في الدين، بل في الطريقة التي يستخدم بها البعض الدين ليبرر أخطاءه.
فلسفة مختصرة
القيم لا تسقط حين يضعف الكلام عنها… بل حين تُستخدم لتجميل السلوك الخاطئ.
فالدين ليس ما يقوله الإنسان عن نفسه، بل ما يظهر في معاملته للآخرين.
وحين تنفصل الأخلاق عن الأفعال… يتحول الضمير إلى مجرد فكرة، وتتحول القيم إلى كلمات بلا وزن.
بقلم محمود حمدى





