رسالة من قارئ : أزمة شباب… أم جريمة ؟

ما نعيشه اليوم لا يمكن اختزاله في كونه «أزمة شباب».
الأزمة ظرف طارئ، أما ما نراه فهو مسار طويل من الإهمال المنظم، يمكن وصفه بدقة أكبر بأنه جريمة وعي مكتملة الأركان.
جريمة لا تُرتكب بالعنف المباشر، بل بالتكرار، وبالتطبيع مع الخطأ، وبصناعة بيئة تُفرغ العقل من المعنى، ثم تُحمّل الشاب وحده مسؤولية الضياع.
الواقع كما هو… لا كما نحب أن نراه
حين يُترك الشاب بلا نموذج حقيقي يُحتذى به،
وحين يُقصف يوميًا بنماذج «نجاح» لا تقوم على جهد أو قيمة،
وحين يتلقى خطابًا ضمنيًا يقول له: التعب بلا مقابل، والاجتهاد غباء، والطريق الأقصر هو الأذكى،
فنحن لا نخذله فقط، بل نُعيد تشكيل وعيه ليقبل العجز، ويبرر الفشل، ويتصالح مع اللاجدوى.
هنا لا يصبح السؤال:
لماذا فشل هذا الشاب؟
بل السؤال الأخطر:
كيف صُمم الواقع ليجعل الفشل هو المسار الأسهل، والعمل الجاد استثناءً؟
الأسرة: الغياب الأول
جزء كبير من الأزمة يبدأ داخل البيت.
أسرة منشغلة بالضغط الاقتصادي، أو فاقدة هي نفسها للقدرة على التوجيه، أو تخلّت عن دورها التربوي لصالح الهاتف والشارع.
لم تعد الأسرة في كثير من الحالات تزرع:
معنى الالتزام
قيمة العمل
احترام الوقت
بل تكتفي بالمراقبة السلبية أو اللوم المتأخر.. والنتيجة:
شباب بلا انضباط ذاتي، لا لأنهم يرفضونه، بل لأنهم لم يتعلموه أصلًا.
المدرسة: مؤسسة تعليم بلا تربية
المدرسة – في صورتها الحالية – تخرّج حافظين لا فاعلين،
وتُكافئ الامتثال لا المبادرة،
وتتعامل مع الطالب كمجرد رقم لا مشروع إنسان.
غياب التعليم العملي، وانفصال المناهج عن سوق العمل، وتحول المدرسة إلى عبء نفسي لا مساحة اكتشاف، كلها عوامل تُنتج شابًا يحمل شهادة، لكنه يفتقد المهارة، والهدف، والثقة.
وسائل التواصل الاجتماعي: أخطر شريك في الجريمة
وسائل التواصل لم تخلق الأزمة، لكنها عمّقتها وشرعنتها.
منصات تُصدّر:
نجاحًا سريعًا بلا تعب
ثراءً بلا مسار
شهرة بلا قيمة
فتُسقط من وعي الشاب فكرة التدرج، وتشوّه مفهوم العمل، وتحوّل الجهد إلى شيء «غير جذاب».
الخطر هنا ليس في الترفيه، بل في غياب التنظيم والمساءلة.
محتوى يفرغ العقول، يروّج للتفاهة، ويكافئ السطحية، بينما يُترك دون رقابة حقيقية أو تصنيف أو حجب لما هو مضر بالوعي العام.
الدولة: الغائب الحاضر
الدولة لا تُلام لأنها لم توفر فرصًا فقط، بل لأنها لم تتعامل مع الشباب كقضية أمن قومي للوعي.
المشكلة ليست في قلة المشروعات،
بل في غياب فكرة أن تكون هذه المشروعات مدارس عمل حقيقية.
مشروعات يدخلها الشاب:
مشروعات يدخلها الشاب:
ضمن منظومة تُعلّمه لا تُقصيه
يكتسب مهارته من العمل ذاته
ويُمنح فرصة التدرج بدل الإقصاء
وهنا نستحضر تجربة محمد علي باشا، لا بوصفها حكاية تاريخية، بل كنموذج جيد في مفهوم الاختصار النفيد :
فلم ينتظر شبابًا جاهزين،
بل صنع الجاهزية عبر العمل،
وغرس الانضباط قبل المهارة، والانتماء قبل الإنتاج.
ماذا يترتب على الاستمرار في هذا المسار؟
النتائج أمامنا، ولا تحتاج توقعات:
بطالة مزمنة
إحباط عام
عنف بلا قضية
فقدان الانتماء
إنفاق ضخم على علاج النتائج بدل معالجة الجذور
وأسوأ من ذلك:
التطبيع مع هذا المشهد، حتى أصبح جزءًا من حياتنا اليومية.
الخلاصة: قرار لا خطاب
الشباب لا يحتاجون إلى خطب ملهمة،
ولا إلى شعارات عن الأمل،
بل إلى منظومة تقول بوضوح:
أنت لست عبئًا…
لكن لن نتركك بلا طريق.
إما أن نعيد للأسرة دورها، وللمدرسة وظيفتها،
وننظم الفضاء الرقمي بوعي لا بعشوائية،
ونُدخل الشباب في العمل الحقيقي مبكرًا،
أو نستمر في دفع ثمن جريمة وعي نعرفها جيدًا… ونتظاهر أننا عاجزون عن إيقافها.
الاختيار واضح،
والتكلفة تُدفع بالفعل،
والسؤال لم يعد: هل نقدر؟
بل: متى نقرر؟
محمود حمدي





