مجلس السلام: “خصخصة” الدبلوماسية العالمية أم إدارة العالم بعقلية الصفقات؟
الذئاب يقودون قطيع السلام في غزة!!

بفكر إمبراطوري لا يرى في العالم سوى “رقعة عقارية” وفي الدول سوى “شركات تابعة”، أطلق الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب قنبلته النووية في وجه العلاقات الدولية.
إن إعلان إنشاء ما يسمى “مجلس السلام”، ليس مجرد مبادرة لإنهاء الحروب، بل هو إعلان صريح عن وفاة “الشرعية الدولية” وولادة “ديكتاتورية الصفقات”.
وبينما يروج له مؤيدوه كأداة “حاسمة” لإنهاء الصراعات المزمنة، يرى فيه النقاد محاولة لإنشاء “مجلس إدارة عالمي” يحل محل المؤسسات الأممية، ويضع السيادة الدولية تحت رحمة “المساهمات المالية”.
نادٍ للنخبة أم بديل للأمم المتحدة؟
لم يعد خافياً على أحد أن مجلس السلام لا يسعى فقط لتسوية أزمة غزة (هذا إن صحت النيه وإن كانت التفاصيل تؤكد العكس)، بل يطمح ليكون المرجعية الأولى للنزاعات العالمية.
فالمجلس، بهيكليته التي تمنح “الرئيس” سلطة الفيتو المطلق وحق عزل الأعضاء، وهو ما يعيد صياغة مفهوم الدبلوماسية لتصبح “دبلوماسية الرجل الواحد”، وقبل أن ينتهي المجلس من تشكيله قد ظهر للجميع جليا كيف سيدار ، حيث سبق وقدم ترامب دعوة لكندا للمشاركة في المجلس، ولكن بعد انتقاد مارك كارني، رئيس وزراء كندا لسياسات ترامب، أعلن الأخيرة عزله وسحب طلب انضمامه للمجلس.
الذئاب يقودون قطيع السلام!
وما يؤكد هذه الرؤية أن هذا المجلس والمفترض إنشاؤه لانهاء أزمة غزة وانه “وسيط سلام” تصطدم بحقيقة صارخة عند النظر إلى هوية أعضائه التنفيذيين. فالطاقم الذي يقوده جاريد كوشنر، وماركو روبيو، وستيف ويتكوف، يتشكل بالكامل من أشد المؤيدين لسياسات دولة الاحتلال.
فنحن أمام مفارقة تاريخية؛ فالمجلس الذي يُفترض أن يعالج مأساة غزة والضفة، يتكون أعضاؤه من شخصيات لا تعترف بحق تقرير المصير الفلسطيني: وتعتبر حل الدولتين مجرد “وهم قديم”.
كما يرفض أعضاء المجلس الاعتراف بقرارات محكمة العدل الدولية بشأن “الإبادة الجماعية”، بل ويعملون على تقويض المؤسسات القانونية الدولية.
تمول الاستيطان
وما زاد الطين دماءا هو وجود شخصيات وممولين ارتبطت أسماؤهم تاريخياً بدعم بناء المستوطنات، مما يحول المجلس من هيئة “صنع سلام” إلى هيئة “تثبيت احتلال” تحت غطاء إعماري واستثماري.
إن خطورة المجلس المزعوم ب”مجلس السلام” لا تكمن فقط في تهميش دور الأمم المتحدة، بل في إحلال “الشرعية المالية” محل “الشرعية الدولية” ، فمن خلال ميثاق يفتح أبواب العضوية الدائمة لمن يساهم بمليار دولار، يتحول السلام من حق إنساني ومسؤولية جماعية إلى “سلعة” تُشترى بأسهم داخل مجلس إدارة.
معضلة دول الجوار: مصر، الأردن، والمغرب
يواجه المثلث العربي (القاهرة، عمان، الرباط) تحدياً وجودياً أمام هذا الكيان الجديد. فمن جهة، لا يمكن لهذه الدول الغياب عن طاولة تُناقش فيها قضايا تمس أمنها القومي بشكل مباشر. ومن جهة أخرى، يبرز السؤال الاقتصادي: هل تستطيع هذه الدول دفع مليار دولار سنوياً لضمان مقعد دائم؟.
مصر، التي تراهن على دورها الميداني واللوجستي كبديل للمساهمة النقدية، أما الأردن، فيرى في وصايته الهاشمية وتاريخه الدبلوماسي رصيداً يفوق أي قيمة مادية، أما المغرب: فيحاول الموازنة بين التزاماته القومية وبين واقعية التحالفات الجديدة.
إن هذه الدول تحاول حالياً صياغة تفاهمات تجعل من “الجغرافيا السياسية” عملة بديلة للدولار، لكنها تظل تحت رحمة بند “التفسير الرئاسي للميثاق” الذي يجعل استقرار عضويتها مرهوناً برضا البيت الأبيض.
نحو عالم جديد: “الفعالية” على حساب “الديمقراطية”
إن نجاح أو فشل مجلس السلام سيعتمد على قدرته في تحقيق نتائج سريعة على الأرض. فإذا نجح في إنهاء حروب استعصت على الأمم المتحدة لعقود، فإنه سيعطي الذريعة لإضعاف المنظمة الدولية وتفكيك وكالاتها، لكن الثمن قد يكون باهظاً؛ حيث سيصبح السلام العالمي رهينة للصراعات السياسية الداخلية في واشنطن ولحجم الشيكات المودعة في خزينة المجلس.
وبالتالي فإن “مجلس السلام” ليس مجرد مبادرة عابرة، بل هو إعلان عن نهاية عصر “الإجماع الدولي” وبداية عصر “الصفقات الكبرى”. وفي هذا العالم الجديد، لم يعد السؤال هو “ما هو القانون الدولي؟” بل أصبح “ما هو ثمن الجلوس على الطاولة؟”.
شريف حمادة
كاتب وصحفي مصري

