مقالات

من اليمن إلى السودان: كيف تعيد القاهرة رسم الخطوط الحمراء؟

ما جرى بين السعودية والإمارات في اليمن خلال الساعات الماضية، لم يكن خلافًا تكتيكيًا عابرًا بين حليفين، بل لحظة كاشفة في السياسة الإقليمية بالخليج والسياسة العربية؛ لحظة أعلنت فيها دولة مركزية بوضوح أن أمنها القومي لا يُدار بالشراكات الرمادية، ولا يُترك لوكلاء محليين مهما كانت الجهة التي ترعاهم.

أعتقد أن الضربة القوية التي وجهتها الرياض لوكلاء أبوظبي في اليمن ، بل وتوجيه انذار واضح لشركاء الأمس بأن اليمن خط أحمر للمملكة، لم ولن تمرّ على القاهرة مرور الكرام، بل من المؤكد أن تم قراءتها بعناية، خصوصًا في ظل تعقيدات المشهد السوداني وصعود حميدتي بوصفه فاعلًا مسلحًا خارج منطق الدولة، وقد فضحت التقارير المخابراتيه الدولية الدور الخفي لأبوظبي في دعم حميدتي ومن قبله آبي أحمد.

كما أعتقد أن النظام المصري، ينظر إلى حدوده الجنوبية باعتبارها امتدادًا مباشرًا لأمنه القومي، وأزعم أنه رأى في الضربة السعودية لأنصار الإمارات في اليمن نموذجًا عمليًا لما يمكن تسميته بـ«سياسة الخط الأحمر الواضح».

فالسعودية لم تفاوض طويلًا مثلما قامت القاهرة خلال السنوات الماضية، ولم تُرسل رسائل ملتبسة، بل تصرفت عندما شعرت أن مشروعًا ميدانيًا – حتى لو كان مدعومًا من حليف وشقيق لكنه يهدد وحدة اليمن ويُربك مسار التسوية ويخلق مراكز قوة موازية للدولة. هذه الرسالة، في جوهرها، تتقاطع تمامًا مع العقيدة الأمنية المصرية.
إن السودان بالنسبة لنا في مصر حالة شديدة الحساسية؛ فهو دولة منهكة، وجيش تقليدي يسعى للحفاظ على الكيان، وقوة شبه عسكرية تحولت من أداة داخل الدولة إلى مشروع مستقل، مدعوم إقليميًا من شقيق خليجي وعدو أثيوبي، ويتمدد جغرافيًا واقتصاديًا. بالنسبة لمصر، وبالتالي إن هذا التحول ليس شأنًا سودانيًا داخليًا فقط، بل تهديدًا مباشرًا لمنطق الدولة الوطنية في الإقليم كله، وتهديدًا محتملًا لأمنها الحدودي والمائي على المدى المتوسط.

وفي هذا السياق، يبرز التشابه اللافت بين حميدتي والمجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن.

فالقضية هنا لا تتعلق بالأشخاص أو بالشعارات، بل بنموذج سياسي–أمني واحد يتكرر. المجلس الانتقالي الجنوبي بدأ كقوة محلية مساندة للشرعية، ثم تحوّل تدريجيًا إلى كيان مستقل بالقرار والسلاح والتمويل، قبل أن يطرح نفسه مشروعًا انفصاليًا يفرض أمرًا واقعًا في الجنوب اليمني ويُضعف الدولة من الداخل.

المسار نفسه تكاد تسير فيه قوات الدعم السريع في السودان؛ مليشيا جرى دمجها شكليًا في الدولة، ثم ما لبثت أن راكمت نفوذًا اقتصاديًا وعسكريًا مستقلًا، ونسجت علاقات إقليمية خاصة، وتحولت من شريك مفترض إلى منافس مباشر على الدولة نفسها.

في الحالتين، بدا الوكيل المسلح أكثر تنظيمًا وقدرة من الدولة التي يُفترض أنه يعمل تحت مظلتها، وفي الحالتين تحوّل هذا الاختلال إلى تهديد لوحدة الكيان الوطني.

وأرى أن الرياض عندما قصفت أنصار المجلس الانتقالي الجنوبي، كانت في الواقع تضرب فكرة «الدولة الموازية»، لا مجرد جماعة مسلحة، وفي المقابل فالقاهرة تراقب صعود حميدتي، ومن الضروري أن تعيد القاهرة رسم استراتيجية واضحة للتعامل مع ميليشيا حميدتي من خلال قراءة السيناريو اليمني، وتدرك أن القبول بهذا النموذج في السودان يعني فتح الباب لفوضى طويلة الأمد.

من هنا، فإن ما حدث في اليمن وتعامل الرياض مع الانفصاليين الجنوبيين، لابد وأن يمنح القاهرة غطاءً سياسيًا غير معلن لإعادة صياغة موقفها من الأزمة السودانية.

فلم يعد حميدتي يُنظر إليه بوصفه طرفًا داخليًا يمكن استيعابه بسهولة، بل بوصفه تجسيدًا لنموذج المليشيا التي إذا تُركت تتضخم، تتحول إلى دولة داخل الدولة، ثم إلى عبء إقليمي يصعب احتواؤه. وهذا ما يفسر تشدد الموقف المصري الداعي إلى تسوية تقوم على جيش واحد وسلاح واحد وسلطة مركزية، ورفض أي صيغة تمنح القوى المسلحة وضعًا مستقلًا أو شرعية دائمة.

فالمملكة لم تكن تبحث عن حرب ولا صراعات على حدودها خصوصا مع حليف، لكنها اضطرت لمنع شر يهدد مستقبل أمنها، وايضا مصر لا تبحث عن حرب في السودان، ولا ترغب في توسيع دوائر الصراع، لكنها في الوقت نفسه لا تقبل بتكرار سيناريوهات ليبيا واليمن على حدودها. وهي ترى أن أمنها القومي يبدأ من منع تفكك الدول المحيطة بها، لا من إدارة الفوضى داخلها.

لذلك، فإن أي مشروع يقوم على تقوية الوكلاء وإضعاف الدولة يُعد تجاوزًا لخط أحمر مصري، تمامًا كما كان دعم الانفصال في جنوب اليمن تجاوزًا لخط أحمر سعودي.

في النهاية، يمكن القول إن الضربة السعودية في اليمن لم تكن حدثًا معزولًا، بل جزءًا من تحوّل أوسع في التفكير الإقليمي، يعيد الاعتبار لفكرة الدولة ويحدّ من أوهام إدارة الأزمات عبر المليشيات. القاهرة التقطت الرسالة جيدًا، وتتحرك على أساسها في السودان، إدراكًا منها أن الصبر على الكيانات الموازية لا ينتج استقرارًا، بل يؤجل الانفجار فقط. ومن لا يفهم هذه التحولات بوصفها إعادة رسم للخطوط الحمراء، قد يجد نفسه خارج المعادلة عندما تُحسم الخيارات على الأرض.

شريف حمادة
كاتب وصحفي مصري

alarabicpost.com

موقع إخباري عربي دولي.. يتناول آخر الأخبار السياسية والاقتصادية والثقافية والرياضية، إضافة إلى التحقيقات وقضايا الرأي. ويتابع التطورات على مدار 24

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى