مدونات عرب بوست

بين التكفير والتقديس… صدام يلتهم الجميع!!

التاريخ لا يسير في خط مستقيم، بل في موجات.
وكل موجة جديدة تبدأ بسؤال مزعج، ثم اعتراض غاضب، ثم رفض قاطع… ثم بعد سنوات يصبح السؤال بديهيا، ويصير صاحبه رمزا.

هذه ليست قصة فرد، بل طبيعة بشرية متكررة.

في الفلسفة والعلوم، نرى ما جرى مع ابن رشد الذي اتُّهم بالزندقة ونُفي، بينما اليوم تُدرَّس أفكاره في جامعات العالم باعتباره جسرًا بين العقل والنص.

ونرى ما جرى مع ابن خلدون الذي لم يستقبل مشروعه بحفاوة في عصره، بينما يعد الآن مؤسس علم الاجتماع الحديث، بل حتى في سياقات أخرى، عانى غاليليو من الإدانة لأنه خالف القراءة السائدة للكون، واليوم يعتبر من أعمدة العلم.

المفارقة أن المجتمعات نفسها التي ضاقت بأفكارهم، عادت بعد أجيال لتعيد اكتشافهم، بل وتقديسهم أحيانا.

لماذا يتكرر هذا المشهد؟
لأن المؤسسة… أي مؤسسة.. دينية كانت أو فكرية… بطبيعتها تميل إلى الاستقرار، والفكرة الجديدة بطبيعتها تميل إلى الإرباك.
وعندما يصطدم الاستقرار بالإرباك، يولد الإتهام.

في السياق المصري، يبقى الأزهر الشريف مؤسسة عريقة تمثل مرجعية تقليدية واسعة. ومن الطبيعي أن يدافع عن منهجه الأصولي كما يفهمه.
لكن في المقابل، من الطبيعي أيضا أن يظهر من داخل المجال الإسلامي من يعيد قراءة النص أو ينتقد بعض التطبيقات التاريخية للفقه بحسب رؤيته.

المشكلة لا تبدأ في الاختلاف، بل في توصيفه.
حين يتحول الخلاف المنهجي إلى إتهام في العقيدة، يصبح النقاش مرفوضا ومغلق قبل أن يبدأ.

وليس هذا جديدا في تاريخنا؛ فقد تم سجن أبو حنيفة النعمان حتى مات في حبسه، وتوفي ابن تيمية داخل السجن، وتعرض النسائي للضرب حتى توفي متأثرا به، ونفي محمد بن إسماعيل البخاري عن بلده حتى مات غريبا.

وكلهم اختلفوا بدرجات متفاوتة، سواء مع السلطة أو مع القراءة السائدة للنص في زمانهم.

كلامي هذا يوضح فقط ما يعانيه أيّ مختلف مع الفكر السائد، سواء في العقيدة أو الفقه أو المتعارف عليه بين الناس؛ فما يأتي به المختلف لا يجد من يسنده في البدايات.

لم يكونوا جميعا على صواب مطلق، ولم يكن خصومهم جميعا على خطأ مطلق، لكن المؤكد أن الاختلاف في القراءة لم يكن دائما يدار بالحوار، بل كثيرا ما أُدير بالصراع.

التاريخ يخبرنا أن كثيرًا من العلماء الذين تم رفضهم في حياتهم لم يكونوا أعداء للدين، بل أصحاب قراءة مختلفة له.
بعضهم أخطأ، وبعضهم أصاب، لكنهم جميعا كانوا يتحركون داخل سؤال:
كيف نفهم النص اليوم؟
الطبيعة البشرية تخاف من زعزعة اليقين.
الإنسان يميل إلى الدفاع عن المنظومة التي تمنحه الأمان الفكري.
ولهذا يتكرر السلوك نفسه مع كل فكرة خارجة عن الإطار المألوف:
رفض أولا، تحذير ثانيا، اتهام ثالثا، ثم بعد أن تهدأ العاصفة يتم إعادة تقييم.
المناظرات العلنية في قضايا العقيدة لا تصنع انتصارًا للحقيقة بقدر ما تصنع جمهورا منقسما، فالمناظرة بطبيعتها تبحث عن الغلبة، بينما العقيدة تبحث عن اليقين.

وعندما يتم استدعاء اليقين إلى ساحة الغلبة، يخرج الطرفان بجرح في الهيبة أكثر من خروج أحدهما بنصر حاسم…وقتها تأكد أن الكل خاسر، ولهذا، تبقى طاولة البحث أهدأ من منصة المواجهة، وأقرب إلى الإنصاف من ساحة التصفيات.

تحويل الاختلاف إلى معركة وجود هو ما يصنع القطيعة.
فالفكرة القوية تحتاج فقط إلى القدرة على التعبير في سياق الأدلة، دون تجريح أفكار الآخرين أو تكفيرهم، كما أن المؤسسة الواثقة لا تخشى السؤال.

والتاريخ، في النهاية، لا يحفظ الضجيج…
بل يحفظ ما بقي من أثر الفكرة بعد أن يهدأ الصراع.

محمود حمدى

alarabicpost.com

موقع إخباري عربي دولي.. يتناول آخر الأخبار السياسية والاقتصادية والثقافية والرياضية، إضافة إلى التحقيقات وقضايا الرأي. ويتابع التطورات على مدار 24

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى