تخاريف صيام ..الكاتب الصحفى عبدالناصر محمد يكتب حكايات حارتنا ( ١٦ ): حارة القربية .. ” السقا مات ” والشيخ عويطى يشفى المرضى !!

هنا مخزون ذاكرة شعب عاش كريما أبيا مكافحا .. هنا مشربيات تحكى قصص حب وغرام فتاة جميلة عفيفة مع إبن الحتة الشهم الجدع .. هنا تسمع صدى خطوات رجل شاء قدره أن يكون هو فتوة الحارة .. هنا ” القربية ” .. أجمل حارة فى حى الدرب الأحمر العريق .. جدرانها تتنفس بنسيم التاريخ .. فيها تشعر أن الزمن توقف ليحكى عظمة أجيال سجلوا ملاحم البطولة والرجولة .. أجيال صنعوا روايات شعبية خرج من كنفها تراث عظيم يفخر به الأحفاد .. فيها حجر شاهد على حكايات بشر رسّخوا فى الوجدان المعنى الحقيقى للشهامة .. هى حارة لها تاريخ .. صغيرة فى المساحة لكنها كبيرة فى العمر والمكانة.

بالقرب من باب زويلة تقع حارة القربية التى كانت فى زمن الدولة الفاطمية مركزا لصناعة القرب من الجلود التى كان يستخدمها السقا فى نقل المياة ومن هنا جائت تسميتها ، إندثرت القرب مثلما إندثرت مهنة السقا منذ دخول شبكات المياه الحديثة ، ولكن بقيت الحكايات.
المؤرخ العظيم المقريزى رصد نظافتها الفائقة وحسن تنظيمها في العصر الفاطمى ، حتى قيل إن المار بها يشم “رائحة الجنة” لشدة طيبها ونظافة أزقتها ، ويتداول السكان قصة شعبية مفادها أن المارين بالحارة وقت الفجر يشم رائحة مسك قوية لا يُعرف مصدرها، ويربطونها بمقولة المقريزى الشهيرة إن الحارة فيها “رائحة الجنة”.

تروي الحكايات الشعبية عن سقا قديم من سكان الحارة كان يوزع الماء “لله” في سنوات الجفاف ، وتقول الأسطورة إن قربته كانت لا تفرغ أبداً مهما سقى من ناس، تبركاً بدعوات الصالحين فى زاوية رضوان بك الموجودة بالحارة و التى بنيت سنة 1650م ، حيث كان رضوان بك من أقوى أمراء المماليك “الفقارية”، وجعل من هذه المنطقة مركزاً لنفوذه وعمرانه الذى لا يزال قائماً حتى اليوم.
لا تخلو القربية من الأساطير حيث يُشاع بين كبار السن وجود سراديب مخفية تحت بيوت الحارة القديمة تؤدي إلى كنوز مدفونة من عصر المماليك ، لكنها ” مرصودة ” أى يحرسها الجان.
أما عالم الفتونة وتعبير ” فتوة الحارة ” فإنه يتجلى ف حارة القربية حيث كانت رمزا من رموز الفتونة وكان فتوة القربية على وئام تام مع فتوة ” الخيامية ” وكلاهما كانا ضد فتوة ” تحت الربع ” ، وكثيرا ما وقعت معارك بالنبوت بين فتوة حارة القربية وكثير من فتوات الحارات الأخرى.

وكان الفتوة فى ذلك العصر سنة ١٧٩٨ حتى قيام ثورة يوليو المجيدة يتميز بالشهامة ، وقوة البنيان ، والشارب العريض ، لا يفارقه النبوت ، وكان عليه نصرة الضعيف وحماية الحق داخل حارته ، وهذا ينطبق تماما على فتوة حارة القربية فلم يكن بلطجياً بل كان مثالا للجدعنة فهو يميل إلى الحق والعدل ، وكان يقوم بنفسه رغم كثرة الرجال حوله بالإشراف على توزيع الصدقات فى زاوية رضوان ، فضلا عن تأمين خروج الجنازات وحماية أعراض البيوت ، خاصة في فترات ضعف الدولة أواخر العصر العثمانى.
يوجد داخل زاوية رضوان ضريح لأحد أولياء الله الصالحين يسمى ” الشيخ عويطى ” حيث يعتقد بعض سكان الحارة قديماً أن للشيخ “كرامات” فى شفاء الأمراض أو جلب الرزق ، وكان السقاؤون قديماً يتباركون بالزاوية قبل الخروج لعملهم لضمان “السلامة والبركة” فى يومهم.

يُقال أنه توجد أسفل زاوية رضوان بك ممرات سرية تصل إلى قلعة الجبل أو إلى قصره في منطقة “الخيامية” ، والتى كانت تُستخدم لإخفاء أموال “إمارة الحج” التي تولاها رضوان بك لسنوات طويلة.
ويُروى كذلك أن بعض السقايين القدامى عثروا على جرار ذهب أثناء حفر آبار للمياه في الحارة.
بعد زوال مهنة السقا إشتغل عدد من سكان الحارة فى الحرف اليدوية مثل دباغة الجلود وتجارة الجلود وبعض الحرف المرتبطة بالمنسوجات.
