تخاريف صيام .. الكاتب الصحفى عبدالناصر محمد يكتب حكايات حارتنا ( ١٨ ): ” كلوت بك ” .. شارع سىء السمعة !!

قد ترجع شهرة الكثير من الشوارع فى مصر المحروسة إلى تاريخها العريق أو لما تضمه من آثار بديعة أو لأنها شهدت مواقف مؤثرة فى تاريخ الوطن أو لأنه سكن بها أحد المشاهير ، لكن هناك شارع كبير رغم حيوته إلا أن شهرته جائت من أنه كان شاهدا على ممارسة الغانيات العاهرات للأعمال المنافية للآداب من خلال ” رخصة خاصة ” .. أى لا يجرؤ أحد على محاسبتها أو القبض عليها مثلها مثل أى سيدة عاملة الفارق الوحيد بينهما أن العاملة تحافظ على سمعتها وشرفها أو الغانية فلا شرف لها.

هذا الشارع هو شارع ” كلوت بك ” الذى سمى بهذا الإسم تكريما للطبيب الفرنسى أنطوان كلوت مؤسس كلية طب القصر العينى وهى أول كلية للطب فى مصر والشرق الأوسط.
للشارع مكانة تاريخية عظيمة فقد إفتتحه الخديوى إسماعيل سنة ١٨٧٣ م حيث تم تأسيس العديد من المبانى ومعظمها من الفنادق الصغيرة واللوكندات والعمارات والمحلات والبواكى والممرات الرائعة التى بنيت على الطراز الأوروبى ولاتزال تحتفظ برونقها القديم الجميل وتتمتع بأناقة لا حدود لها.
قبل نهاية القرن التاسع عشر ببضع سنين تحول هذا الشارع إلى وكر لممارسة الفاحشة بشكل رسمى حيث كانت البيوت تحصل على رخصة لممارسة الرذيلة بها وصار مزدحما بجنود الإحتلال الإنجليزى وطالبى الأنس والفرفشة الذين كانوا لا يجدون صعوبة فى الفوز بالحسناوات اللاتى يبعن أنفسهن بثمن بخس ، وزاد نشاط هذا العمل الفاحش فى فترة ما بين الحربين العالميتين.

فى هذه الفترة الماجنة من حياة شارع كلوت بك سيطر بلطجى يدعى ” إبراهيم المغربى ” على مقاليد الأمور بالشارع ، وأصبح الحاكم بأمره فى كل شىء يجرى فيه ، ولكى يحافظ على هذا النفوذ فكان يدفع رشاوى لكبار رجال الشرطة الإنجليز وعلى رأسهم ” السير هارفى ” حكمدار القاهرة ، لذلك كان المغربى يقوم بضرب وتعذيب كل من يخالف أوامره سواء من الزبائن أو النساء العاهرات دون محاسبة من أحد لدرجة أنه قتل بعضهم ولم يتعرض لأى مسائلة.
ظل المغربى يمارس جرائمه فى شارع كلوت بك إلى أن تم عزل ” هارفى باشا ” من منصب حكمدار القاهرة ، وتم القبض على القواد البلطجى إبراهيم المغربى ومات ذليلاً فى السجن.

رحيل المغربى لم يمنع ممارسة الأعمال المشبوهة فى شارع كلوت بك وإستمرت تلك الرذائل إلى أن نجح النائب التاريخى ” سيد جلال ” الذى كان نائبا عن باب الشعرية والأزبكية فى استدراج جلال فهيم باشا وزير الشؤون الاجتماعية لزيارة الشارع لإفتتاح مشغل للفتيات ، وتعمد البرلمانى المخضرم توجيه موكب الوزير ليمر من قلب شارع كلوت بك المزدحم ببيوت البغاء ، وكانا ” النائب والوزير ” يركبان الحنطور ، وتعمد سيد جلال كذلك تعطيل الحنطور الذى فى قلب منطقة بيوت البغاء ، فتعرض الوزير لمواقف محرجة وتجمهرت حوله النسوة ، وشرح سيد جلال هذا الأمر الذى لا يليق بمكانة مصر التى هى مهد الحضارات وتعلو فيها مآذن الكنائس والمساجد وتكثر بها المعابد الدينية ، وكانت الصدمة الكبرى للوزير مما رآه من مناظر خادشة للحياء العام ، مما دفع الوزير جلال فهيم باشا لإصدار قرار تاريخى فور عودته إلى مكتبه بإلغاء تراخيص البغاء فى مصر نهائياً عام ١٩٤٧.

الشيخ سيد درويش من المشاهير الذين سكنوا فى هذا الشارع حين قدم من الأسكندرية و كان يجلس بانتظام فى مقاهى هذا الشارع ، وفى إحدى المرات استلهم لحن إحدى طقاطيقه من المشاجرات الكلامية والحوارات التي كانت تدور بين رواد المنطقة وبائعيها حيث كان الشارع ” مختبراً ” للغة العامة الصادقة.
وكان الشارع قديما مجمع للمسارح ولذلك كان يتردد عليه كبار المخرجين والفنانين وعلى رأسهم الفنان نجيب الريحانى ورفيق دربه فى عالم المسرح الفنان بديع خيرى والذى سكن فترة فى هذا الشارع.
يضم الشارع عددا من الفنادق الصغيرة واللوكندات الشهيرة منها لوكاندة المنتزة الكبرى ذات القباب الرائعة ، ولوكاندة إبسانديد المبنية على الطراز الإنجليزى ، ولكن يعد الشارع الآن واحد من أشهر الشوارع التجارية فى مصر المحروسة.


