تخاريف صيام .. الكاتب الصحفى عبدالناصر محمد يكتب حكايات حارتنا ( ١٩ ): شارع الجمالية .. ورحلة العودة إلى الماضى !!

حين تتخطى بوابة النصر الشامخة الشاهدة على معارك النصر التى حققتها الجيوش المصرية عبر أزمنة متعاقبة مليئة بالفخر والمجد فأنت على موعد مع دخول التاريخ من أوسع أبوابه وتشعر بأن الزمن يعود بك إلى عصور مضت ، وقد تظن أنك إنفصلت عن واقعنا ، ولما لا فأنت فى رحاب التاريخ فى أروع تجلياته وروحانياته العليلة ، ها هو السلطان المعظم ركن الدنيا والدين بيبرس البندقدارى يمتطى جواده الأشهب بين فرسانه يدخل من بوابة النصر يستقبله شعبه بكل تهليل ليعبّر عن سعادته بعودة جيشه المنتصر ، وها هو السلطان المنصور قلاوون يعبر البوابة مرفوع الرأس مزهوا بنفسه وبجيشه وبين جنوده يوجد عدد من أسرى العدو مكبلين بالحبال ، وها هو السلطان الناصر محمد بن قلاوون يقتحم البوابة العريقة بكل عِزة يحيط به رجال جيشه المنتصرون ، وها هو ” شارع الجمالية “.

شارع الجمالية يسير جنبا إلى جنب شارع المعز لدين الله كأنهما رفيقا درب واحد إسمه التاريخ العظيم ، هما سجِل يطوى بداخله أحداث وحكايات مثيرة وآثار عظيمة بناها سلاطين وخلفاء وملوك نالوا شرف الجلوس على عرش البلاد.
يضم شارع الجمالية الممتد لنحو ٥٠٠ مترا من باب النصر حتى المشهد الحسينى وخان الخليلى العديد من الآثار الإسلامية المتميزة ، بعد باب النصر قف وتأمل روعة وإبداع تلك الوكالة الواقعة على يمينك ، إنها وكالة السلطان الأشرف أبو النصر قايتباى التى تم إنشاؤها سنة ٨٨٥ هجرية/ ١٤٨١ م ، والتى خُصصت لإستقبال التجار الوافدين إلى مصر والمكونة من ٣ طوابق يتوافر بدورها الأرضى مخازن للبضائع والأدوار العليا مساكن لمبيت هؤلاء التجار ، وهى الآن ترتدى ثوب التطوير حيث سيتم تحويلها فندق يتسم بجمال وإبداع الفنون الإسلامية.

حين تستكمل المسير وأنت بين أروقة التاريخ تجد صرح شامخ على يسارك وهو عبارة عن أقدم ” خانقاة ” بالقاهرة .. تلك خانقاة السلطان الركن بيبرس الجاشنكير التى أنشئت سنة ٧٠٦ هجرية/ ١٣٠٩ م وتضم مسجد فى أبهى صور عظمة الفنون الإسلامية وبها ضريح مدفون فيه السلطان بيبرس الجاشنكير ، وأمام هذه الخانقاة مباشرة توجد ” القبة الفاطمية ” والتى بنيت فى عهد الخليفة الفاطمى الحافظ لدين الله سنة ٥٢٧ هجرية / ١١٣٣ ميلادية وتعد من النماذج القليلة الباقية للقباب الفاطمية المبنية من الآجر.
فى هذا الشارع الذى يطل السحر من بين جنباته يستوقفك مبنى أثرى قد يظن البعض أنه مجهول الهوية لأن أبوابه موصودة بأقفال حديدية وكأنه أُغلق حتى لا يبوح بما ورائه من أحداث وأسرار ، هذا هو خانقاه ومسجد ” سعيد السعداء ” وهو أول بيت للعبادة فى العصر الأيوبى ، ولكنه لم يعد يحمل نصيباً من اسمه بعدما طمس النسيان قيمته التاريخية ، وهذا المسجد ممنوع الصلاة فيه لكونه غير مخصص لإقامة الشعائر بإنتظام فضلاً عن حالته الإنشائية المزرية إذ يعانى من مشاكل فنية وتصدعات.

ولم يخلو الشارع المبارك من أضرحة لأولياء الله الصالحين حيث يوجد ضريح العارف بالله سيدى محمد شرف الدين الكردى ويلاصقه ضريح سيدى عبدالكريم البرامونى ، ثم تجد ” حوش عطى ” أو وكالة شهاب عطى وهو أحد المعالم الأثرية الهامة فى شارع الجمالية.
ويتوسط الشارع مسجد جمال الدين الأستادار ويرجع إلى العام 810 هـ ويحوى أسفله عددا من المحلات، إلا أن مأذنته القديمة تهدمت ، وتقف أمامه وكالة ” أودة باشا ” التى كان لها شأن عظيم ولكن الآن ضاع رونقها وبهاؤها أمام فيروس الإهمال الذى ضرب الكثير من هذه الآثار حيث يوجد بداخل هذه الوكالة عدد من ورش تصنيع النحاس والصاج والتى تنتج فوانيس رمضان و الأهلة التى توجد فى أعلى جزء من مآذن المساجد وغيرها ، وزاد من وهن وضعف تلك الوكالة تعرضها للحريق أمثر من مرة كان آخرها الحريق الذى نشب فى يوليو ٢٠١٧.
ويضم الشارع آثارًا أخرى مثل سبيل غطاس ، ومدرسة قراسنقر المنصورى ، والمسافر خانة ومدرسة بيبرس وسبيل قطاس.

الشارع الطويل لم يخل أيضا من الاحتفالات ، فكل عام وتحديدا فى أول خميس بعد الاحتفال بمولد سيدنا الحسين ، تقام الاحتفالات بمولد “سيدى المرزوقى” داخل مسجده على ناصية شارع قصر الشوق ، والذى ينسب إليه أنه كان أول خليفة للسيد أحمد البدوى ، كما يضم أثرًا لقدم يُقال أنها قدم سيدنا صلى الله عليه وسلم.
ويضم الشارع العديد من المحلات الخاصة بمختلف المأكولات فضلا عن ورش تقطيع النحاس وورش أخرى لتصنيعه فضلا عن بعض الحرف التراثية فهو شارع حيوى يضج بالحياة العملية التى لا تعرف سوى العمل الجاد.



