مقالات

تخاريف صيام .. الكاتب الصحفى عبدالناصر محمد يكتب حكايات حارتنا ( ٢١ ): ” روميو وجولييت ” فى حارة الدرب الأصفر !!

شاعر شاب استلفت نظره بيت عتيق تتصدره مشربية بديعة تقف ورائها فتاة حسناء فاتنة الجمال تطل من نوافذها الضيقة شعر بها وبدأ يلقى بعض قصائده ، وأخذه الحنين إليها فأصبح ضيفا دائما تحت مشربيتها وتسربت إلى فؤادها مشاعر الحب والإعجاب.

هذه الحكاية التى تشبه قصة ” روميو وجولييت ” يتردد أنها حدثت بالفعل داخل حارة مصرية عريقة هى الأجمل بين حوارى مصر المحروسة.


فى عصر الدولة الفاطمية كانت حارة ” الدرب الأصفر ” المتفرعة من شارع المعز لدين الله مساحة مخصصة لنحر الذبائح لتوزيعها على الفقراء أو لأهل القصر الكبير ، وكان الخليفة الفاطمى يأتى إلى هذا الدرب فى موكب عظيم مع رجال دولته عقب صلاة عيد الأضحى ليشهدون نحر الأضاحى ولذلك كان يطلق على الدرب ” حارة المنحر ” ، قبل أن تتحول إلى أشهر وأروع حارات مصر المحروسة.

يُقال أن الحارة سميت بهذا الإسم بسبب طلاء مبانيها باللون الأصفر ، ورأى آخر ينسب التسمية إلى لون النحاس الأصفر حيث كانت ورش تصنيع النحاس منتشرة بين جنباتها. تربط الحارة بين شارعى المعز والجمالية ، وكان لها باب خشبى عند مدخله أمام مسجد بيبرس الجاشنكير بشارع الجمالية ، وهو يعبر عن خصوصية دروب وحوارى القاهرة التي كانت تغلق بواباتها ليلًا كى لا يدخلها الغرباء واللصوص.
حارة الدرب الأصفر يعتبرها خبراء العمارة الإسلامية شاهداً حياً على تاريخ مصر الإجتماعى والثقافى طيلة القرون السابقة ، ويكفى أنها تضم فى أروقتها بيت ” السحيمى ” الذى يعود إلى العصر العثمانى والذى ينقسم إلى قسمين ” القبلى ” أنشأه الشيخ عبدالوهاب الطبلاوى سنة ١٦٤٨ م ، والقسم البحرى من إنشاء إسماعيل بن الحاج شلبى سنة ١٧٩٦م ، ويُنسب المنزل إلى آخر قاطنيه وهو الشيخ أمين السحيمى شيخ رواق الأتراك بالجامع الأزهر والذى توفى سنة ١٩٢٨.


وقد سبق وأن اصطحبنا الدكتور محمد شبانة عالم الآثار الإسلامية الجليل فى جولة داخل بيت السحيمى العريق المفعم بفنون العمارة الراقية حيث تجد فناء مكشوف تتوسطه حديقة بها شجرتا زيتون وسدر ، وتوجد قاعات استقبال بالطابق الأرضى وتضم ” التختبوش ” وهى دكة خشبية مزخرفة للجلوس ، و” الحرملك ” فى الطوابق العلوية والتى تتميز بالمشربيات الخشبية المعقدة التى تسمح للنساء بالرؤية للخارج مع الحفاظ على الخصوصية ، وبهذا المنزل مرافق نادرة منها طاحونة وساقية لرى الحديقة وحمام تقليدى.


ظل بيت السحيمى مهجورا عقود عديدة وترددت حكايات شعبية حوله وأطلق عليه الأهالى إسم ” البيت المسكون ” ، حيث كانت تصدر من داخله وبخاصة من المكان المخصص للنساء ” الحرملك ” أصوات وصرخات غير مفسرة وبخاصة من الغرف الواسعة وكأنها صدى صوت للموتى الذين كانوا يقيمون فى البيت قبل رحيلهم.

بعيدا عن تلك الحكايات الشعبية فقد كان الشيخ أمين السحيمى له مكانة كبرى بين طلابه فقد كان رجلا زاهدا وبيته هذا كان مفتوح دائما لطلاب العلم مما جعل للحارة مكانة مقدسة فى نظر هؤلاء الطلاب.
ويأتى الدور على ” الجار العزيز ” لبيت السحيمى وهو منزل مصطفى جعفر السلحدار الذى بُنى سنة ١٧١٣م ، صاحبه أمير فى العصر العثمانى يشغل منصب ” سلحدار ” أى مسئول عن الأسلحة.


بُنى منزل مصطفى جعفر الأثرى كمجمع متكامل حيث كان الدور الأرضى يُستخدم كمخازن ومحلات والطوابق العلوية كانت مخصصة للسكن.

وقد تحولت هذه الحارة الآن وبخاصة منزلى السحيمى وجعفر إلى متحف مفتوح وإلى منارة ثقافية كبرى يقصدها الكثيرون من أهل الفن والطرب الأصيل والعاشقون لتراث مصر المحروسة.

alarabicpost.com

موقع إخباري عربي دولي.. يتناول آخر الأخبار السياسية والاقتصادية والثقافية والرياضية، إضافة إلى التحقيقات وقضايا الرأي. ويتابع التطورات على مدار 24

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى