“ديكتاتورية التنوير” ومعاول هدم الدين من جذوره والتشكيك في الوحي..

نحن لا نواجه صراعاً فكرياً عادياً، بل نواجه أجندة مفروضة تسعى لهدم وتفكيك ثوابت الدين الإسلامي من الداخل، عبر أبواب القنوات الفضائية التي يُفترض أنها ممولة من جيوب الشعب، من خلال استضافة أشخاص غير متخصصين، يدعون تجديد الخطاب الديني؛ ويركزون انتقادههم على ضرب السنة النبوية، ويطالبون بمراجعة التفسيرات التقليدية للقرآن بما يتوافق مع العقل، بينما يُضرب حصارٌ إعلامي متعمد على صوت الأزهر الشريف، والتي تسعى لتجديدٍ يبني ولا يهدم.
وعلى الرغم من ظهور هذا التيار الذي يدعي “التنوير”، بمظهره التحضر والدعوة لحرية الرأي والتعبير ، وأن الدين ليس حكرا على مؤسسة أو أشخاص، حين يمارس أقصى درجات الاستبداد الفكري لهدم الثوابت.
التجديد كقناع للديكتاتورية
من المفارقات الصارخة أن يرفع أدعياء التجديد شعارات الحرية، بينما يمارسون في الواقع “ديكتاتورية فكرية” تقصي كل من يخالفهم. هؤلاء لا يقدمون حواراً، بل يفرضون نتائجهم المعلبة عبر تسلط معرفي يصم المتمسكين بالأصول بالرجعية. هذا السلوك ليس تنويراً، بل هو إكراه يهدف لزعزعة قناعات الناس بقوة الضجيج لا بقوة الحجة.

فالتجديد في الإسلام محمود ومطلوب، لكن ما يفعله أصحاب “تكوين” هو هدمٌ لا تجديد.. حيث تتبع هذه التيارات مخططاً يبدأ بسب علماء الأمة وتسفيه تراث الأئمة السابقين وهم ليسوا بمعصومين لدينا ، وهي خطوة أولى لنزع الثقة من المرجعية الفقهية، ثم ينتقل الهجوم لضرب الركيزة الثانية للتشريع، وهي السنة النبوية.
والهدف من التشكيك في السنة ليس “النقد العلمي”، بل هو تجريد القرآن الكريم من بيانه العملي، مما يفتح الباب للتشكيك في الوحي نفسه، وتحويل الدين إلى مجرد وجهات نظر شخصية خاضعة للأهواء.
الأزهر الشريف.. تجديدٌ لا تبديد
على عكس ما يروج له الإعلام، فإن مؤسسة الأزهر لا ترفض التجديد، بل هي من دعت للاجتهاد الجماعي في قضايا معاصرة شائكة. لكن الأزهر يفرق بوضوح بين “تطوير الخطاب” وبين “هدم الهوية”.
والغريب أنه في الوقت الذي تفتح قنوات فضائية وجهات رسمية أبوابها لمدعي التنوير لفرض آرائهم الهدامة بحثاً عن “التريند”، يواجه الأزهر حصاراً إعلامياً يحاول تغييب صوته الوسطي.

وأمام هذا الحصار، تحول مواجهة مدعي التنوير إلى جهود فردية من علماء الأزهر الذين انطلقوا عبر منصات التواصل لكسر العزلة الإعلامية.
وقد أكد الأزهر (خاصة في تحركاته الأخيرة في فبراير 2026) أن الطعن في السنة هو طعن في أصل الدين، وأن من يهاجمون الثوابت لا يسعون لإصلاح التدين، بل لممارسة “هندسة اجتماعية” تجتث الدين من جذوره.
إن التنوير الذي يبدأ بالسب والتشكيك هو استبداد فكري، والتجديد الذي يستهدف السنة والوحي هو هدم لا إصلاح.
وانا لدي قناعة بأن الأزهر الشريف هو صمام الأمان، للدفاع عن ثوابت الأمة ضد تيار “المجددين الزائفين” الذين يمتلكون المنصات، بينما يمتلك الأزهر الحجة والمنطق والامتداد التاريخي.
شريف حمادة
كاتب وصحفي مصري



