مقالات

ثورة “العميان” وعمى “المبصرين”: حكاية الرغيف بين صرخة “الجبرتي” وصمت “الحاضر”

في قلب القاهرة المملوكية، وحيث كانت ورش “سوق السلاح” الشهيرة حينها تصقل الفولاذ، كان هناك صنف آخر من القوة يُصقل في أروقة الجامع الأزهر الشريف؛ إنها قوة “مملكة العميان”. رجالٌ لم يروا الضوء يوماً، لكنهم كانوا أول من استشعر بأنامل أصابعهم “خيانة المحتسب” حين تجرأ وأنقص من وزن رغيف الخبز (الجراية الخاصة بهم).

صرخة “يا لطيف”: حين زلزلت العصيُّ دكاكين القاهرة

ينقل لنا المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي مشهداً تقشعر له الأبدان في حوادث سنة 1190هـ؛ حيث تجمع مئات العميان وخرجوا في “هيئة منكرة” كما وصفهم (أي مهيبة مخيفة)، ولم يكن معهم سيوف، بل كانت سلاحهم “عصا الخشب” وحنجرةٌ مدربة على المقامات..

كانوا يضربون الأرض في إيقاع واحد هزَّ جدران الحوانيت، ويطلقون شعارهم التاريخي المرعب:
“يا لطيف.. يا لطيف.. ضاعت الجراية.. وجاع الشريف!”
“يا محتسب يا غدار.. رغيفك صِغر وصار قد الدينار!”
هذه الأهازيج لم تكن مجرد شكوى، بل كانت “بياناً ثورياً” ألقاه من لا يبصرون في وجه من لا يرحمون.

كان العميان يدركون بحاسة “اللمس” أن الرغيف (الجراية) قد تآكلت أطرافه، فاعتبروا أن المساس بلقمة العيش هو مساسٌ بالعهد بين الخالق والمخلوق، فكانت صيحتهم: “هَبّوا يا أهل البصيرة.. لقمة اليتيم ماليها سيرة!”.

الرغيف اليوم.. “إقصاء” الوزن وغياب “العصا”
والمفارقة المؤلمة هي أن رغيف الخبز اليوم يمر بذات “المحنة” التي وصفها الجبرتي، حيث زاد سعره بشكل مبالغ فيه تحت دعاوى التعويم مرة وظروف الحرب مرات عديدة، وضاعت هيبة الرغيف لدرجة أنه أصبح لا يكفي طفلا صغيرا.. لكن الفارقٍ الجوهري بين عهد عميان المماليك ومبصروا احرار اليوم في رد الفعل، فبينما كان العميان قديماً يكتشفون نقص “الجرامات” بمجرد ملمس الرغيف، نرى نحن اليوم الرغيف يتقلص أمام أعيننا المبصرة، ومع ذلك يسود صمتٌ غريب.

قديماً، كان العميان يهتفون بمظلمتهم في الأسواق:
“بعت القمح وجبت تراب.. وسبت ولادنا للخراب”
أما اليوم، ورغم أن الرغيف صار “قد الدينار” فعلاً كما تنبأ زجلهم القديم، إلا أن “أهل البصيرة” المعاصرين يبدون وكأنهم أصيبوا بـ “عمى اختياري”. لقد فقدنا تلك “العصا” التي كانت تقرع الأرض لتنبه الغافل، وفقدنا تلك الحنجرة التي لا تخشى في الحق لومة لائم.

حاول المماليك قمع ثورة الجياع، لكن رمزية “العميان” جعلت الموقف محرجاً وصعباً، حيث تعاطف معهم عامة الشعب وانضموا إليهم في رجم بيت المحتسب بالحجارة.

انتصار الرغيف
أدرك حينها السلطان الظاهر برقوق أن الأمر قد يتطور لثورة شاملة، فقام بعزل المحتسب ابن قفجاق ، وأمر بمراقبة الأفران ورفع جودة الخبز وزيادة وزنه، ونزل المحتسب الجديد إلى الأسواق لضمان توفر الرغيف بالسعر العادل.

درسٌ من “سوق السلاح”
إن “مملكة العميان” علمتنا أن القوة ليست في “العين” التي ترى، بل في “البصيرة” التي ترفض الظلم. إن هتافهم “يا منتقم من كل ظالم وجور.. رُد الحقوق واكشف المستور” لا يزال يتردد صداه في أزقة الدرب الأحمر والسيوفية، مذكراً إيانا بأن الجوع لا يُدارى بالصمت، وأن من يقبل بنقص رغيفه، يقبل بنقص كرامته.

بالطبع أنا لا أحرض على الثورة لكني أحرض على محاسبة المحتسب ، والحكومة التي وعدتنا بالكثير ومع ذلك تواصل تجبرها على الشعب الذي انهك الفقر جسده، لقد أبصر العميان قديماً بعصيهم، فهل نبصر نحن اليوم بعقولنا قبل أن يتلاشى الرغيف تماماً من بين أيدينا؟.
شريف حمادة
كاتب وصحفي مصري

alarabicpost.com

موقع إخباري عربي دولي.. يتناول آخر الأخبار السياسية والاقتصادية والثقافية والرياضية، إضافة إلى التحقيقات وقضايا الرأي. ويتابع التطورات على مدار 24

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى