مدونات عرب بوست

حين غاب الكبار… امتلأت المحاكم!!

لم تكن المحاكم في الماضي مزدحمة كما هي اليوم، ليس لأن الناس كانوا ملائكة أو لأن الخلافات لم تكن موجودة، بل لأن بين الناس رجالًا يطفئون النار قبل أن تتحول إلى حريق يلتهم الجميع. كان في كل بيت كبير، وفي كل عائلة عقل، وفي كل خلاف شخص يملك من الحكمة ما يجبر الغاضبين على التراجع خطوة قبل أن يسقطوا جميعًا في الهاوية.
لم يكن الكبير مجرد رجل أكبر سنًا يجلس في صدر المجلس، بل كان ضميرًا حيًا وذاكرةً للمجتمع، رجلًا يعرف أن كلمة واحدة في الوقت المناسب قد تمنع كارثة، وأن كسر القلوب أسهل بكثير من إصلاحها.

لهذا كانت الجلسات العرفية جزءًا أصيلًا من حياة الناس؛ لم تكن مجرد تجمع للصلح، بل كانت محاولة لإنقاذ الإنسان قبل أن يبتلعه القانون. فالقانون يعرف النصوص ويطبقها ببرود، أما العرف فكان يعرف النفوس ويبحث عن إعادة التوازن قبل أن تتحول المشكلة إلى معركة. كان الناس يفهمون أن كثيرًا من الخلافات التي تصل اليوم إلى المحاكم لم تكن يومًا تستحق أن تصبح قضية، بل كانت تحتاج فقط إلى رجل حكيم يقول كلمة تُعيد الأمور إلى نصابها.

لكن شيئًا ما تغيّر. لم تختفِ القوانين، بل اختفى الرجال الذين كانت كلماتهم أثقل من القضايا. لم يعد هناك كبير يعيد الغاضب إلى رشده، ولا حكيم يذكر الناس أن الكرامة الحقيقية ليست في كسر الآخر. صار كل طرف يريد أن ينتصر حتى لو خسر البيت كله، وأصبح العناد يُقدَّم على العقل، والكرامة المؤقتة تُفضَّل على الاستقرار الطويل.

وفي داخل الأسرة ظهر هذا الخلل بوضوح أكبر. فالبيت الذي كان يقوم على التوازن صار يقوم على صراع الإرادات؛ الرجل يريد أن يثبت أنه الأقوى، والمرأة تريد أن تثبت أنها لا تحتاج إلى أحد، وفي النهاية يتحول البيت من سكنٍ وطمأنينة إلى ميدان شد حبال لا رابح فيه. مع أن الفكرة كانت أبسط بكثير: حين قيل إن الرجل مسؤول عن إدارة البيت لم تكن تلك رخصة للاستبداد، بل تكليفًا ثقيلًا بالمسؤولية، وحين قيل إن الطاعة في المعروف تحفظ التوازن لم يكن المقصود إلغاء المرأة، بل حماية البيت من الانفجار حين تشتد العواصف.

لكن عندما تغيب الحكمة تتحول النصوص نفسها إلى وقود للمعارك بدل أن تكون دليلًا للحياة، ويتحول الأهل من صمام أمان إلى جزء من المشكلة.
فبدل أن تُقال كلمة تطفئ النار، تُقال كلمات تزيدها اشتعالًا، ويكبر الخلاف لا لأنه عظيم في ذاته، بل لأن العناد صار أكبر من العقل.
وهنا يحدث التحول الصامت الذي لا ينتبه إليه الناس إلا بعد فوات الأوان: ما كان يُحل بكلمة طيبة أصبح يُكتب في محضر، وما كان ينتهي باعتذار صار ينتهي بحكم، وما كان يُطوى بين أهل البيت صار يُفتح أمام القضاة.

لكن الحقيقة المؤلمة أن المحكمة قد تُنهي القضية، ولا تُصلح ما أفسدته القضية. فالقاضي يستطيع أن يحدد من المخطئ، لكنه لا يستطيع أن يعيد المودة التي ماتت، ولا أن يرمم بيتًا هدمته الكرامات الجريحة.
ولهذا فالمشكلة ليست في كثرة القوانين، بل في قلة الحكماء.
فالمجتمع الذي يكثر فيه العقلاء تقل فيه القضايا، أما المجتمع الذي يغيب فيه الكبار فتمتلئ فيه المحاكم.
ولهذا بقيت الحكمة الشعبية القديمة صادقة رغم كل ما تغير: اللي ملوش كبير يشتري له كبير، لأن الحياة بدون حكمة الكبار ليست فقط أصعب… بل أقسى بكثير مما يتخيل الناس.
محمود حمدى

alarabicpost.com

موقع إخباري عربي دولي.. يتناول آخر الأخبار السياسية والاقتصادية والثقافية والرياضية، إضافة إلى التحقيقات وقضايا الرأي. ويتابع التطورات على مدار 24

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى