مدونات عرب بوست

شهود على المقاس… حين تصبح الشهادة مهنة بلا ضمير..!!

هناك قطاع ليس قليلًا يعاني… لا من غياب القانون، بل من عجزه عن الوصول إلى الحقيقة كما هي.
قوانين كثيرة قائمة، لكن ما ينقصها ليس التغيير… بل التفعيل.
المشكلة لا تبدأ من قاعة المحكمة، بل من محضر بسيط يُكتب ضد شخص، ثم يتحول (بمرور الإجراءات) إلى واقع قانوني ثقيل، قد لا يعكس الحقيقة بقدر ما يعكس “ما تم إثباته”.

القانون، في صورته المجردة، لا يعالج المشكلة… بل يفصل في الحق.
لكن ماذا لو كان هذا “الحق” مبنيًا على شهادة لا تُعبّر عن الحقيقة؟
هنا تبدأ المأساة.

المتضرر قد يرى الحكم يُنصف خصمه… لا لأنه مخطئ، بل لأن الكفة رجحت بكلام قيل تحت بند “شهادة”.. شهود حضروا، تكلموا، وثُبتت أقوالهم… حتى لو لم يكونوا مطلعين على الحقيقة كاملة، أو حتى لو كانوا مرتبطين بصاحب المصلحة.

وهنا السؤال الذي لا يُسأل بما يكفي:
هل تم التأكد فعلًا من صدق هؤلاء الشهود؟
هل خضعوا لتمحيص حقيقي… أم أن الشهادة أصبحت إجراءً يُستكمل؟
في كثير من القضايا، الشاهد لا يكون شاهدًا… بل “مُساندًا”.
شخص حضر ليُكمل المشهد، لا ليكشفه.

ومع تكرار هذا النموذج، ظهرت فئة خطيرة:
شهود متوافرون… عند الطلب.
هؤلاء لا يشهدون لأنهم رأوا…
بل لأنهم يُطلب منهم أن يقولوا إنهم رأوا.
الخطر هنا ليس في شهادة كاذبة واحدة… بل في تحولها إلى نمط.

حين يصبح للشهادة “دائرة معروفة”،
وأسماء تتكرر في نفس النوع من القضايا،
وأشخاص يظهرون دائمًا في نفس المواقع…

فنحن لا نتحدث عن خلل فردي،
بل عن منظومة غير مرئية تُنتج شهادة على المقاس.
والنتيجة؟.
أحكام قد تبدو قانونية… لكنها تفتقد العدالة.

حقوق تُنسب لأصحابها “ورقيًا”… بينما الحقيقة شيء آخر.
ومتضرر يخرج من المحكمة مهزومًا… رغم أنه قد يكون صاحب الحق.
المشكلة ليست في الشهود فقط… بل في غياب الردع الحقيقي.
ما الذي يمنع شخصًا من تكرار الشهادة في عشرات القضايا؟
ما الذي يمنعه من قول ما يُطلب منه… طالما لا يوجد تتبع أو محاسبة فعالة؟، لهذا، لم يعد مقبولًا أن تظل الشهادة مساحة مفتوحة بلا رقابة.
الحل ليس مستحيلًا… لكنه يحتاج إرادة:
إنشاء نظام يُسجل بيانات الشهود، بحيث يُرصد تكرار ظهور نفس الشخص في قضايا متعددة، خاصة داخل نفس الدوائر.

وضع آلية تُحلل نمط الشهادة: من يشهد؟ كم مرة؟ وفي أي نوع من القضايا؟
تقييد تكرار الشهادة بشكل يثير الشبهة، أو على الأقل إخضاعه لمراجعة دقيقة.
والأهم: أن من يثبت كذبه في شهادة… لا يمر الأمر مرور الكرام.
الشهادة الكاذبة ليست “تفصيلة”…
بل جريمة تُهدر حق إنسان.

يجب أن تكون هناك محاسبة عاجلة، حاسمة، ومشددة.
لأن من يزوّر الحقيقة أمام المحكمة… لا يضر خصمًا فقط، بل يطعن العدالة في قلبها.

العدالة لا تُقاس بنصوص القانون… بل بصدق من ينطقون داخلها.
وإذا أصبح الشاهد أداة، والشهادة وسيلة، والحقيقة خيارًا…
فلا معنى لأي حكم، مهما بدا صحيحًا.

في النهاية، القضية ليست ضد الشهود…
بل ضد “تحويل الشهادة إلى مهنة”.
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث…
هو أن يقف إنسان أمام المحكمة، يقسم على قول الحقيقة،
ثم يقول ما يُطلب منه… لا ما رآه.
حينها، لا تضيع قضية واحدة فقط…
بل يضيع معنى العدالة نفسه.
بقلم محمود حمدي

alarabicpost.com

موقع إخباري عربي دولي.. يتناول آخر الأخبار السياسية والاقتصادية والثقافية والرياضية، إضافة إلى التحقيقات وقضايا الرأي. ويتابع التطورات على مدار 24

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى