في اتفاق إعادة تشكيل موازين القوى بالشرق الأوسط.. أمريكا تحاول إدارة تراجعها ..إيران تسعى لتحويل صمودها إلى مكاسب.. العرب قلقون وتل أبيب تخطط لإعادة الحرب

لم يكن قرار الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بهدنة مؤقتة او كما يحب أن يردد بتمديد مهلة “القوة المدمرة” ضد إيران مجرد إجراء عسكري تقني، بل كان اعترافا ضمنيا بأن كلفة الحرب الشاملة باتت أكبر من قدرة الولايات المتحدة الأمريكية على التحكم في نتائجها.
فالمهلة التي تم تعليقها أكثر من مرة لم تكن سوى انعكاس لحالة تردد داخل الإدارة الأمريكية، تردد فرضه واقع دولي معقد، وميزان قوى لم يعد يسمح بحسم سريع كما كان يُتصور.
في قلب هذا المشهد، برز العامل الإيراني كعنصر حاسم، ليس من خلال التصعيد، بل عبر ما يمكن وصفه بـ”برود الأعصاب الاستراتيجي”، حيث فقد تعاملت طهران مع التهديدات المتتالية دون انجرار إلى مواجهة مباشرة، ونجحت في نقل مركز الصراع من الميدان العسكري إلى طاولة التفاوض، واضعة خصومها أمام معادلة صعبة: إما حرب مفتوحة غير مضمونة، أو قبول مسار تفاوضي بشروط مرتفعة السقف.

هذا التحول لم يكن ليحدث لولا دخول أطراف إقليمية على خط الوساطة مثل مصر وتركيا، وفي مقدمتها باكستان، حيث لعب كل من شهباز شريف وعاصم منير دورا في نقل الرسائل وتهيئة الأرضية لمحادثات يُفترض أن تستضيفها إسلام آباد.
هذا الدور يعكس تحولًا أعمق في بنية النظام الإقليمي، حيث لم تعد الوساطة حكرا على القوى الغربية، بل باتت القوى الآسيوية تسعى لفرض حضورها في إدارة الأزمات الكبرى.
أما المفاجأة الأكثر دلالة، فكانت في موقع إسرائيل داخل هذا المشهد. فبحسب المعطيات المتداولة، لم تكن بنيامين نتنياهو شراكة في صياغة التفاهمات، بل وجد نفسه أمام اتفاق يتشكل دون مشاركة مباشرة، وهو ما يفسر حالة القلق والارتباك داخل المؤسسة السياسية والأمنية الإسرائيلية.
هذا التطور يطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة العلاقة الأمريكية–الإسرائيلية في هذه المرحلة، وحدود التنسيق بين الطرفين عندما تتعارض المصالح الاستراتيجية.
الشروط الإيرانية العشرة تتمحور حول المضيق
جوهر التفاوض المطروح يتمحور حول مجموعة من الشروط التي تسعى إيران إلى تثبيتها كأساس لأي تسوية، من بينها رفع العقوبات، الإفراج عن الأصول المجمدة، وضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز ولكن وفق ترتيبات تمنح طهران دورًا مباشرًا في إدارة هذا الشريان الحيوي.
وهنا تحديدًا تتجلى أهمية المضيق، ليس فقط كممر مائي، بل كورقة ضغط استراتيجية تمس الاقتصاد العالمي بأسره، وهو ما يفسر الارتياح الفوري الذي شهدته الأسواق المالية مع أي إشارة إلى التهدئة.
في المقابل، لا يبدو أن الطريق إلى اتفاق نهائي سيكون سهلًا أو سريعًا. فالشروط الإيرانية تمثل سقفا تفاوضيا مرتفعًا، ومن غير المرجح أن تقبل بها واشنطن أو حلفاؤها دون تعديلات جوهرية.
كما أن الضغوط التي يمارسها حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، وعلى رأسهم إسرائيل وبعض القوى الإقليمية، قد تدفع باتجاه تشديد الموقف الأمريكي بدلًا من تقديم تنازلات واسعة.

سيناريوهات إعادة ترتيب المنطقة
بناءً على ذلك، يمكن القول إن المنطقة تقف أمام ثلاثة سيناريوهات رئيسية: أولها تهدئة مؤقتة تُستخدم لإعادة ترتيب الأوراق دون حل جذري، وثانيها مفاوضات طويلة ومعقدة قد تشهد تقدمًا بطيئًا وتراجعًا متكررًا، وثالثها انهيار المسار التفاوضي والعودة إلى التصعيد، وإن كان ذلك الاحتمال يبدو أقل ترجيحًا في ظل الكلفة العالية للحرب.
الدول الخليجيه بين الترحيب والقلق
أما بالنسبة لدول الخليج، لا تعني الهدنة نهاية الخطر، بل بداية مرحلة أكثر تعقيدًا، من جهة، ترحب المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة بأي تهدئة تقلل من احتمالات الحرب المباشرة، حمايةً لمنشآتها الحيوية واستقرارها الاقتصادي.
لكن من جهة أخرى، يتصاعد القلق من أن تتحول هذه التهدئة إلى صفقة تُبرم على حسابها.
أما قطر وسلطنة عُمان، فتواصلان لعب دور الوسيط، في محاولة للحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة وتجنب الانفجار.
إن ما يجري من وجهة نظري، لا يمكن اختزاله في مجرد وقف إطلاق نار أو تأجيل ضربة عسكرية، بل هو جزء من عملية أوسع لإعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط. الولايات المتحدة تحاول إدارة تراجعها دون خسارة نفوذها، وإيران تسعى لتحويل صمودها إلى مكاسب استراتيجية، وإسرائيل تخشى من ترتيبات قد تقيد حركتها، بينما تترقب بقية الأطراف الإقليمية نتائج قد تعيد رسم خريطة التحالفات بالكامل.
إنها لحظة مفصلية، ليس لأن الحرب على وشك أن تبدأ، بل لأن شكل السلام القادم—إن تحقق—قد يكون مختلفًا تمامًا عما عرفته المنطقة لعقود.
شريف حمادة


