لا تذبحوا “الدجاجة التي تبيض ذهباً”..المصريون بالخارج: العصب الاقتصادي المنسي.. هل تُكافأ التضحية بالتضييق؟

بينما تنشغل الدوائر الاقتصادية بتحليل صفقات الاستثمار الكبرى مثل “رأس الحكمة”، وتراقب بحذر عائدات السياحة وقناة السويس، يبرز رقم واحد يتجاوز الجميع بهدوء: تحويلات المصريين بالخارج.
مع وصول هذه التحويلات إلى مستويات تاريخية تقارب 37.5 مليار دولار في عام 2025، حيث أظهرت البيانات الرسمية الأخيرة للبنك المركزي المصري قفزة هائلة في تحويلات المصريين بالخارج، حيث تضاعفت الأرقام لتقترب من حاجز الـ 3 مليارات دولار شهرياً في بعض الفترات بعد توحيد سعر الصرف.
هذه التحويلات ليست مجرد أرقام، بل هي “طوق النجاة” الذي أعاد الاستقرار للسوق النقدي، وتجاوزت في تأثيرها واستدامتها عوائد قطاعات استراتيجية أخرى.
فقد أثبت الـ 11 مليون مصري في الغربة أنهم ليسوا مجرد مغتربين، بل هم “أكبر مؤسسة استثمارية وطنية” تدعم الجنيه والاحتياطي النقدي.
للأسف، وبدلاً من أن تقابل الحكومة هذه الجهود بحوافز استثنائية، نجد توجهاً متزايداً يتعامل مع المغترب كـ “وعاء ضريبي” أو مورد للجباية.
المعادلة المقلوبة: جباية أم رعاية؟
إن قرارات مثل إلغاء الإعفاء الجمركي البسيط على الهواتف المحمولة الشخصية، ليست مجرد عبء مالي، بل هي رسالة معنوية سلبية تُشعر المغترب بأن الدولة تترصد مدخراته وشقاءه في الغربة.
إن تبرير القرار بحماية الصناعة المحلية هو هدف نبيل، لكن تطبيقه على الهواتف الشخصية التي يجلبها المغترب يفتقر للمرونة؛ فهذه الهواتف غالباً ما تكون هدايا لأسرهم وليست لأغراض تجارية، والتضييق فيها يخلق فجوة ثقة مع الدولة تفوق بكثير العائد الجمركي الضئيل المتوقع.. فالأزمة الحقيقية تكمن في فلسفة التعامل.
هذا النهج “قصير النظر” من الحكومة تجلى سابقا وبوضوح في طرح مشروعات أراضٍ سكنية للمغتربين بأسعار دولارية مبالغ فيها، تتجاوز القيمة السوقية العادلة، تحت وهم “القدرة الشرائية” العالية للمغترب.
إن معاملة ابن الوطن “كسائح” أو “ممول” لسد فجوات الموازنة بدلاً من كونه شريكاً في البناء، هي معادلة مقلوبة تنذر بعواقب اقتصادية وخيمة.
الحوافز المطلوبة: كيف نحول “التحويلات” إلى “استثمارات”؟
بدلاً من القرارات التي تزيد من معاناة المغترب، يجب على الدولة تبني حزمة حوافز ذكية تضمن استدامة التحويلات عبر القنوات الرسمية:
منح إعفاء كامل لجهاز محمول واحد سنوياً، وتوسيع مبادرة “سيارات المصريين بالخارج” لتكون دائمة وبوديعة ميسرة.
طرح “صناديق استثمارية” للمغتربين برؤوس أموال دولارية وعائد بالعملة الصعبة مضمون من البنك المركزي.
تخصيص قطع أراضٍ ووحدات سكنية متميزة في المدن الجديدة (مثل العاصمة الإدارية والعلمين) بخصم 15% عند السداد الكامل بالدولار.
إنشاء “منصة رقمية موحدة” لإنهاء كافة المعاملات (تجديد جواز، تصريح عمل، تأمينات) دون الحاجة للرجوع لمصر.
لا تذبحوا “الدجاجة التي تبيض ذهباً”
إن المصري في الغربة لا يخرج أمواله عند الأزمات كـ “الأموال الساخنة”، ولا يتأثر بالتقلبات السياسية كالسياحة، لكنه في المقابل، يمتلك الوعي الكافي للمقارنة؛ فإذا شعر أن وطنه يراه “منجماً” لا “مواطناً”، قد يفضل استثمار عرق جبينه في أسواق أكثر تقديراً.
على الحكومة المصرية أن تدرك أن “الولاء الاقتصادي” لا يُفرض بالقرارات السيادية، بل يُكتسب بالتقدير والحوافز.
الكرة الآن في ملعب صانع القرار: إما شراكة وطنية مستدامة، أو سياسة “حلب” ستؤدي حتماً إلى جفاف الموارد وفقدان الثقة.
شريف حمادة
كاتب وصحفي مصري

