هلال رمضان: حين تُفرّق السياسة في الأرض ما جمعه الله في السماء”!!

إذا كان المسلمون اليوم يختلفون في مواقفهم تجاه قضيتهم المركزية والأسمى، القضية الفلسطينية، وهي الحق الظاهر الذي لا يغيب، فهل يُنتظر منهم أن يتفقوا على رؤية هلالٍ يظهر ويغيب في عرض السماء؟.. إن الربط بين “بوصلة القدس” و”هلال رمضان” يكشف فجوة عميقة؛ فالاختلاف ليس مجرد تباين في المراصد الجغرافية، بل هو انعكاس لتشتت الإرادة السياسية التي جعلت من الشعيرة الدينية أداة لإثبات السيادة والتميز.
الهلال كـ “بيان سياسي” مستقل
تحول إعلان رؤية الهلال من “شهادة شرعية” إلى “قرار سيادي”، فكل دولة ترفض أن تكون تبعاً لغيرها، تماماً كما تختلف في تحالفاتها السياسية.
فقد سجل التاريخ الإسلامي وبخاصة العربي حالات اختلفت فيها دول متجاورة في يوم العيد لمجرد وجود توتر دبلوماسي، وكأن الصوم في يوم مختلف هو إعلان عن استقلالية القرار الوطني عن الجار “الخصم”.
وأحياناً نجد دولاً تصوم مع “حليفها الإقليمي” وتفطر معه، بغض النظر عن موقعها الجغرافي، مما يجعل الهلال يدور في فلك المحاور السياسية لا في فلكه الكوني.
انقسام البيت الواحد: الجرح اليمني والليبي
أما ما يدمي القلب ويكشف عملية تسييس هو انقسام الدولة الواحدة سياسياً وعسكرياً، مثل اليمن، حيث صام اليمنيون لسنوات في يومين مختلفين؛ فالمناطق التابعة للحكومة الشرعية تتبع “توقيت مكة”، بينما تتبع المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين رؤية مستقلة. هنا أصبح الهلال “هوية سياسية” تحدد ولاء المواطن قبل أن يحدد عبادته.
وحدث ذلك ايضا في ليبيا (2019)، حيث انقسمت البلاد بين شرق وغرب في يوم العيد. كان الخلاف بين المؤسسات الدينية في بنغازي وطرابلس انعكاساً مباشراً للصراع على شرعية الحكم، مما جعل “فرحة العيد” مجزأة خلف خطوط النار.
التمايز المذهبي: رؤية تقابلها رؤية
كما يظهر الخلاف جلياً بين إيران ومحيطها العربي. ورغم وجود مبررات فقهية تتعلق باشتراط “الرؤية بالعين المجردة” ورفض الحساب الفلكي، إلا أن هذا التباين يخدم السردية السياسية لكل طرف في إثبات مركزيته الدينية. فالاختلاف هنا ليس على القمر، بل على “من يملك حق التحدث باسم القمر”.
العلم في مواجهة العناد
بينما تصر بعض الدول على الرؤية البصرية للهروب من التوافق “الإلزامي” الذي قد يفرضه العلم، تتبنى دول مثل تركيا الحساب الفلكي القطعي. هذا التوجه يزيل اللبس السياسي، لكنه يصطدم برغبة دول أخرى في الاحتفاظ بـ “لحظة الإعلان” التي تمنح المؤسسة الدينية الرسمية هيبتها وحضورها السنوي أمام الجماهير.
إن العجز عن توحيد “يوم الصيام” هو الابن الشرعي للعجز عن توحيد “الموقف السياسي”. فالهلال الذي يطل على غزة هو نفسه الذي يطل على عواصم العالم الإسلامي، لكن الرؤية تضببها المصالح، ويحجبها غبار النزاعات. سيبقى الهلال “مشتتاً” ما دامت المواقف تجاه القضايا المصيرية مشتتة، فالوحدة تبدأ من الأرض لتلتقي في السماء، وليس العكس.
من التشتت إلى الوحدة الفلكية
فبدلاً من اعتماد كل دولة على مراصدها المحلية فقط، يتم إنشاء مرصد دولي (أو شبكة مراصد) برعاية منظمة التعاون الإسلامي، ويمكن أن يكون في مكة المكرمة كمركز روحي، مع محطات رصد فرعية في أقصى شرق العالم الإسلامي (إندونيسيا) وأقصى غربه (المغرب/موريتانيا)، وذلك لتقديم تقرير علمي موحد “قطعي” حول إمكانية الرؤية، يُلزم الدول الأعضاء تقنياً.
اعتماد “التقويم الهجري العالمي”
وبدلاً من انتظار ليلة الشك في كل شهر، يتم تبني تقويم مبني على الحساب الفلكي القطعي (الذي يحدد ولادة الهلال بالثانية) مع مراعاة إمكانية الرؤية.
هذا النظام معمول به في “تقويم أم القرى” وفي تركيا، لكن المطلوب هو “تعميمه” ليكون المرجع الرسمي لجدولة المواعيد الدولية والإجازات، تماماً كالتقويم الميلادي.
”قاعدة النفي” الفلكية (التوافق الفقهي)
ولحل الصراع بين الفقهاء والفلكيين، يتم الاتفاق على قاعدة ذهبية:
”لا تُقبل شهادة الرؤية البصرية إذا جزم العلم باستحالة وجود الهلال في السماء.”، بهذا، نحمي الدين من “الأوهام البصرية” أو الشهادات الخاطئة التي تحدث أحياناً بسبب رؤية كوكب الزهرة أو انعكاسات ضوئية، ونوحد البدايات بناءً على الحقائق العلمية.
الفصل بين “الشعيرة” و”السيادة”
يجب أن تتفق الدول الإسلامية على أن توحيد يوم الصيام والعيد لا يعني “تبعية سياسية”، بل هو تنظيم تقني لشعيرة دينية. تماماً كما نتفق على اتجاه القبلة (الكعبة) دون أن يعني ذلك تداخل السياسات، يجب أن نتفق على “قبلة الزمن” (الهلال).
وبالتالي فإن العائق ليس “العلم”، فالعلم حدد مواعيد الكسوف والخسوف لـ 100 عام قادمة بدقة مذهلة. العائق هو “النفسية السياسية”.
فما دامت الدول ترى في الهلال “ماركة مسجلة” لسيادتها، سيبقى الانقسام.
لكن، إذا نجح المسلمون في التوحد حول “قضيتهم الكبرى” (فلسطين)، سيكون توحيد الهلال حينها تفصيلاً صغيراً وسهلاً جداً.
شريف حمادة
كاتب وصحفي مصري



