ردا على د.حسام بدراوي: المستشرقين حاولوا التشكيك في الحديث الشريف بالتدليس وفشلوا لاعتماد علماء المسلمين على المنهج العلمي في الاسناد!!

استمعت إلى مقطع بودكاست للدكتور حسام بدراوي، أستاذ النساء والتوليد بكلية الطب، والأمين العام السابق للحزب الوطني الحاكم المنحل في أعقاب ثورة يناير، يشكك فيه في الأحاديث النبوية الشريفة، ويهوِّن من قيمتها؛ لأنها كُتبت – في زعمه – بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بثلاثمئة سنة، وهذا يُفقدنا الثقة فيها، واعتمد في تشكيكه كذلك على عدم وجود خطب للنبي صلى الله عليه وسلم مدونة في كتب السنة، مع أنه كان يخطب الجمعة!
وللرد على هذه الشبهة نقول:
أولا: ارتكب الدكتور حسام بدراوي خطأ منهجيا، بالحديث في غير تخصصه، من علوم الدين الدقيقة، وهو علم الحديث، وكان على الدكتور حسام بدراوي؛ ألا يتجاوز تخصصه إلى تخصص غيره، فإن كان لا بد فاعلا؛ فكان عليه أن يرجع إلى علماء الحديث، يسألهم عما التبس عليه، دون أن يتصدى للحديث في علم لا يعلمه!

ثانيا: لنعتبر ما طرحه الدكتور حسام بدراوي؛ ثقافة، لا علما، ولكن هذه الثقافة لم تؤخذ من مصادرها المعتبرة، فهذا كلام الحداثيين، لا المحدّثين، أخذوه عن المستشرقين، وأول من ألقى هذه الشبهة؛ صنم المستشرقين، جولد تسيهر، ثم تلقفها عنه أبو رية في كتابه [أضواء على السنة المحمدية]، ثم كثر تداولها على الألسنة، في الشرق والغرب!
ثالثا: هذه الشبهة ناتجة عن جهل أو تدليس، فالسنة النبوية كتبت بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، في حياته الشريفة، فقد كان لبعض الصحابة صحف، دونوا فيها ما سمعوه من أحاديثه صلى الله عليه وسلم، كصحيفة عبد الله بن عمرو بن العاص، وكان كاتبا، وكانت تسمى بالصادقة، وقد أشار إليها أبو هريرة حين قال: “ما كان أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر حديثا مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو بن العاص؛ فإنه كان يكتب، ولا أكتب”، وكانت قريش قد نهت عبد الله بن عمرو أن يكتب ما يسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه بشر، يتكلم في الرضا والغضب، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: “والذي نفسي بيده، لا يخرج منهما – وأشار إلى شفتيه – إلا حق، فاكتب”.
وكذلك كتبه صلى الله عليه وسلم إلى الملوك والأمراء في حياته، ومعاهداته؛ هي من جملة أحاديثه المكتوبة في حياته!
وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه؛ أن يكتبوا خطبته لرجل من أهل اليمن، يقال له (أبو شاة)، وكانت قد أعجبته خطبة النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: “اكتبوا لي يا رسول الله”، فقال صلى الله عليه وسلم: “اكتبوا لأبي شاة”.
وكذلك صحيفة همام بن منبِّه، وكان مع سيدنا علي بن أبي طالب صحيفة فيها أنواع الديات، وفكاك الأسير، وغير ذلك، من أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم!
لكن هذه الكتابة كانت جهودا فردية، لم تتخذ صفة العموم، أو الصفة الرسمية، إلا على رأس المئة الأولى، في عهد سيدنا عمر بن عبد العزيز، الذي أمر بجمع السنة وتدوينها، وكتب إلى الأمصار بذلك، معللا بقوله، كما رواه البخاري في كتاب العلم، من [صحيحه]: “إني خفت دروس – انقراض – العلم، وموت العلماء”.
قال الحافظ ابن حجر في [فتح الباري]: “يستفاد منه ابتداء تدوين الحديث النبوي، وكانوا قبل ذلك يعتمدون على الحفظ، فلما خاف عمر بن عبد العزيز – وكان على رأس المائة الأولى – من ذهاب العلم بموت العلماء؛ رأى أن في تدوينه ضبطا له، وإبقاء.
وقد روى أبو نُعيم في [تاريخ أصبهان] هذه القصة، بلفظ: “كتب عمر بن عبد العزيز إلى الآفاق: “انظروا حديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فاجمعوه”. انتهى كلام الحافظ.
فهذا الأثر يدل على أن التدوين العام للأحاديث، كان بعد نحو تسعين سنة من وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، لا بعد ثلاثمئة سنة، كما يدعي الدكتور!
ولكن عمر بن عبد العزيز لم يدوِّن كل ما في المدينة من سنة وأثر، وإنما فعل هذا ابن شهاب الزهري المتوفى سنة ١٢٤ هجرية، وكان معاصراً لعمر بن عبد العزيز، وكان يأمر جلساءه أن يذهبوا إليه، لأنه لم يبق على وجه الأرض أحد أعلم بالسنة منه، فدوَّن كل ما سمعه من أحاديث وأقوال للصحابة، غير مبوَّب على أبواب العلم، وبذلك كان الزهري أول من وضع حجر الأساس في تدوين السنة، في القرن الأول الهجري.
ثم شاع التدوين في الجيل الذي يلي جيل الزهري، فجمعه بمكة ابن جُريج، وابن إسحاق، وبالمدينة سعيد ابن أبي عَروبة، والربيع، والإمام مالك، وبالبصرة حماد، وبالكوفة الثوري، وبالشام الأوزاعي، وهكذا.
ثم جاء القرن الثالث الهجري، فكان أزهى عصور السنة، فصنفت المسانيد، كمسند الإمام أحمد، ومسند إسحاق بن راهويه، ثم الصحاح: البخاري، ومسلم، ثم ألفت بعدها السنن لأبي داود، والنسائي، وابن ماجه، والترمذي، وهكذا.
رابعا: أن تأخر تدوين الأحاديث؛ كان لأسباب منها، خشية اختلاط القرآن بغيره، وتوفر الهمم على حفظ القرآن، وقلة أدوات الكتابة، وقلة الكُتّاب، والخوف من أن يتكل الصحابة على الكتابة، فتضعف ملكة الحفظ عندهم، فلما زالت هذه المحاذير، وأُمِنَتْ؛ أذن النبي صلى الله عليه وسلم في كتابة الأحاديث، ووقعت الإباحة بعد النهي!
خامسا: أنه على فرض أن الأحاديث لم تُدوّن إلا بعد ثلاثمئة سنة من وفاة النبي صلى الله عليه وسلم – وهذا فرض باطل كما عرفت آنفا – فهذا ليس مدعاة إلى التشكيك فيها؛ لأن العبرة في نقل الأحاديث بالثقة في ضبط رواتها وعدالتهم، والعرب كانوا أمة أمية، لا تكتب ولا تحسب، ولكن الله عوضها بملكة الحفظ، حتى رويت عنهم في الحفظ عجائب، وقد حفظ ابن عباس قصيدة فوق المئة بيت، من سمعة واحدة!
والروايات الشفهية مصدر معتمد عند كل الأمم، على اختلاف ثقافاتها وأديانها، بها رُوي التاريخ، ونُقل العلم، قبل وجود الكتابة، وعند انعدامها!
وبها تثبت الحقوق أمام القضاء، وبها نقرر أحكامنا، متى غلب على ظننا صدق الراوي!
وقد وضع المحدثون لقبول الرواية شروطا دقيقة، أذهلت المستشرقين أنفسهم، احتياطا لحديث النبي صلى الله عليه وسلم، الذي هو المصدر الثاني للتشريع!
فلم يقبلوا إلا رواية الثقات، وإذا تعارضت رواية الثقات قدموا الأوثق على الثقة، وإذ اتهم الراوي في حفظه أو في عدالته؛ طرحوا روايته، وإذا لم يذكر من حدثه؛ طرحوا روايته كذلك!
وكذلك إذا طرأ عليه طارئ أزال ثقته، كأن أصيب بالمرض أو النسيان أو الغفلة؛ تركوا روايته بعد هذا الطارئ، وقبلوا ما رواه قبله، أيام ثقته!
فلا بد أن يكون الحديث مرويا عن طريق رواة ثقاث عدول أمناء ضابطين، ويكون كل واحد منهم قد سمع من شيخه مباشرة، بلا واسطة، إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يخالف غيره من الثقات، ولا يكون في الحديث علة، لا ظاهرة، ولا خفية!
فإذا اختلّ شرط من هذه الشروط؛ تركوا الحديث، ولم يعملوا به!
فهل ترى منهجا جمع من الدقة والاحتياط والتحري والتثبت في قبول الأخبار؛ كهذا المنهج المعجز الذي وضعه أهل الحديث لرواية أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، حتى قال أحد المستشرقين: “حُق للمسلمين أن يفخروا بعلم حديثهم ما شاؤوا!”.
فهو منهج إسلامي خالص، من اختراع المحدثين، استوحوه من منهج القران والسنة في ضرورة التحري والاستيثاق، لم يأخذوه عن فلسفة اليونان، ولا عن علم الرومان، ولا عن حكمة الهنود!
فهل يمكن أن تكافئ الكتابة التي قد يطرقها التصحيف والتحريف؛ هذا المنهج الدقيق المحكم؟!
وقد تكفل الله بحفظ كلامه، فقال: “إنا نحن نزلنا الذكر، وإنا له لحافظون”، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم مبينا لهذا الذكر بسنته، فقال تعالى: “وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نُزِّل إليهم”، فنسب البيان إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولا بيان للقرآن إلا سنته صلى الله عليه وسلم، وحفظ المُبَيَّن – وهو القرآن – يقتضي بالضرورة حفظ المبيِّن – وهو السنة – وإلا لم يتحقق الحفظ الموعود!
سادسا: أما تعضيد هذه الشبهة، وتأكيدها بضياع خطب النبي صلى الله عليه وسلم، والتي لا نجد لها أثرا في كتب السنة؛ فهو ناتج عن الجهل بعلم الحديث، وقد رددنا عليها، على هذه الصفحة من قبل، وكتبنا تحت عنوان: (شبهةٌ، وردٌّ!)
الشبهة:
ادعى أستاذ جامعي على صفحته أن خطبة الجمعة اختراع أموي لأغراض سياسية، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخطب الجمعة قط، والدليل على ذلك أن كتب السنة لم ترو لنا خطبه في الجمعة، وإن روت لنا خطبا أخرى في مواطن أخرى!
الجواب:
هذه شبهة طالما تناولها المشككون والطاعنون في دين الإسلام، وليست من اختراع هذا الأستاذ، بل كثيرا ما تم تداولها على المواقع والمنتديات، والرد عليها سهل ميسور، إن شاء الله تعالى.
فنحن نؤمن بقول الله تعالى:”اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام دينا”، وهذا يقتضي كمال القرآن والسنة، وإلا لزم تكذيب الآية الكريمة!
ولا ريب أن منشأ هذه الشبهة إنما هو من عدم تصريح الراوي بما يدل على أن ما يرويه خطبة من خطب الجمعة، وهو وهم سبق إلى صاحبه من عدم درايته بعلوم السنة؛ فإن السنة تطلق عند أهل العلم على “جملة أقوال النبي صلى الله عليه وسلم، وأفعاله، وتقريراته”، فجائز أن يكون كثير من الأحاديث عبارة عن خطبه صلى الله عليه وسلم في الجُمع، وليس شرطا أن يصرح الراوي بأن ذلك كان في خطبة الجمعة؛ لأن العبرة بما اشتملت عليه الخطبة من المعاني، لا بزمانها ولا بمكانها، وتتفاوت قدرة الصحابة رضي الله عنهم على الانتباه والتركيز والإجمال والتفصيل!
على أن الشيء المألوف المعتاد المتكرر؛ لا يعلق بالذهن كثيرا، بقدر ما يعلق به الشيء الحادث المتجدد، وهذا لا يعني أنهم أهملوا خطبة الجمعة، كيف وقد ألفوا عشرات، بل مئات الكتب في خطبه صلى الله عليه وسلم، بدءا من القرن الثالث الهجري الذي يمثل العصر الذهبي للسنة، وحتى عصرنا الحاضر، وكان من أجمعها وأنفعها كتاب شيخنا الخطيب – رضي الله عنه – المسمى: [إتحاف الأنام بخطب رسول الإسلام]، وقد اشتمل على(572)خطبة مشروحة منسقة، وفي أكثرها وقع التصريح بما يدل على أنها خطبة!
على أن كتب السنة قد احتفظت لنا ببعض الروايات الصحيحة الدالة على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب الجمعة، خلافا لما زعمه صاحب الشبهة!
ومن ذلك: ما رواه مسلم عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرَّت عيناه، وعلا صوتُه، واشتدَّ غضبه، حتى كأنَّه منذِر جيش يقول: “صبَّحكم ومسَّاكم”، ويقول: “أمَّا بعد، فإنَّ خير الحديث كتابُ الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة”.
ومن ذلك: ما رواه مسلم عن جابر بن سمرة: “أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يَخطب قائمًا، ثمَّ يجلس، ثمَّ يقوم، فيَخطب قائمًا، فمن نبَّأك أنَّه كان يَخطب جالسًا فقد كذب؛ فقد – والله – صلَّيتُ معه أكثر من أَلفَي صلاة”.
وما رواه مسلم عنه أيضا، قال: “كان لِرسول الله صلى الله عليه وسلم خطبتان، يَجلس بينهما، يقرأ القرآن، ويذكِّر الناس، ويحذِّر”.
ومن ذلك: ما رواه مسلم عن ابن عمر قال: “كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَخطب يوم الجمعة قائمًا، ثمَّ يجلس، ثمَّ يقوم”.
ومن ذلك: ما رواه مسلم عن أمِّ هشام بنت حارثة بن النُّعمان قالت: “ما أخذتُ ﴿ ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ ﴾ [ق: 1] إلاَّ عن لِسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يَقرؤها كل يوم جمعة على المنبر، إذا خطَب الناس”.
وهذه الأحاديث كلها – كما ترى – في صحيح مسلم، وهي مصرحة بأنه صلى الله عليه وسلم كان يخطب الجمعة، فإذا كان الصحابة – رضي الله عنهم – قد حفظوا لنا هيئته صلى الله عليه وسلم وهو يخطب؛ فكيف تفوتهم نفس الخطب؟! هذا محال!
وبهذا فقد سقطت هذه الشبهة رأسا على عقب، وثبت أن خطبة الجمعة كانت في عهده صلى الله عليه وسلم، ولم تحدث في عهد بني أمية لأغراض سياسية.
ونحب أن نلفت نظر الدكتور بدراوي ومن على شاكلته؛ إلى أن من دلائل صحة الأحاديث النبوية، وووثاقة منهج المحدثين في كتابتها؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قد تنبأ بكم، قبل أن تولدوا أو توجدوا، وذلك في حديثه الشريف الذي يقول فيه: “ألَا هلْ عسى رجلٌ يبلغُه الحديثُ عنِّي، وهوَ مُتَّكئٌ على أريكتِهِ، فيقولُ: “بيْنَنا وبينَكم كتابُ اللهِ، فما وجَدْنا فيهِ حلالًا استَحْلَلْناه، وما وجدنا فيه حرامًا حرَّمْناه”، وإنَّ ما حرَّمَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ كمَّا حرَّمَ اللهُ”!
أليس هذا ما تفعلونه الآن؟!، تنكرون السنة، بدعوى الاكتفاء بالقرآن؟!
ووصْفه صلى الله عليه وسلم لكم؛ جاء مطابقا لحالكم، فأنتم من أهل الاتكاء على الأرائك، وهي إشارة إلى النعيم والراحة والرفاهية، وليس هذا من شأن العلماء، بل شأن العلماء التعب وبذل الجهد والتضحية بالنعيم والراحة، من أجل التعلم!
فهذا من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم، وصدق حديثه!
وبالجملة: فقد كان محمد شحرور – وهو من منظِّري هذه الشبهات – مهندسا، وهذا حسام بدراوي طبيبا، لم يأخذا علوم الدين كما أخذا علوم الهندسة والطب، وكلامهما في الدين ثقافة لا علم، كما لو تكلمت أنا في الهندسة والطب، يكون كلامي فيهما ثقافة لا علما، ومن تكلم في غير فنه؛ أتى بالعجائب!
وبالله التوفيق.
د. محمد إبراهيم العشماوي
أستاذ الحديث الشريف وعلومه بجامعة الأزهر
#الخواطر_العشماوية_






