الفارق بين استقلال القضاء والاستقلال بالقضاء

يُعد القضاء أحد أهم ركائز الدولة القانونية، إذ يتوقف عليه تحقيق العدل، وصون الحقوق والحريات، وضمان سيادة القانون. غير أن الحديث عن القضاء كثيرًا ما يشهد خلطًا بين مصطلحين متقاربين في اللفظ مختلفين في المعنى، هما استقلال القضاء والاستقلال بالقضاء. ورغم التشابه اللغوي، فإن الفارق بينهما جوهري وله آثار خطيرة على النظام القانوني والسياسي للدولة.
فالقضاء ليس مجرد قاعاتٍ صامتة، ولا أحكامٍ تُتلى بلهجةٍ محايدة، بل هو الضمير الحي للدولة، والميزان الذي تُوزن به أفعالها قبل أقوالها. وحين يُذكر استقلال القضاء، فإنما يُقصد به ذلك الحصن الذي تُحمى داخله العدالة من غواية السلطة، ومن نزق الهوى، ومن سطوة المصالح المتغيرة. غير أن هذا المفهوم النبيل كثيرًا ما يلتبس بنقيضه، فيُخلط بين استقلالٍ يحمي القضاء، واستقلالٍ يُمارَس بالقضاء.
استقلال القضاء يعني أن يكون القضاء سلطة مستقلة بذاتها، لا تخضع في أحكامها أو في تنظيم شؤونها لأي تدخل من السلطتين التنفيذية أو التشريعية أو من أي جهة أخرى. ويشمل هذا الاستقلال عدة أبعاد، من أبرزها:
الاستقلال المؤسسي: بحيث يكون للقضاء ميزانيته الخاصة، وإدارته الذاتية، ونظامه المستقل في تعيين القضاة وترقيتهم وتأديبهم.
الاستقلال الوظيفي: أي أن القاضي لا يخضع إلا للقانون وضميره المهني عند الفصل في النزاعات، دون ضغط أو توجيه أو تهديد.
الاستقلال الشخصي للقاضي: من خلال ضمانات عدم العزل التعسفي، والاستقرار الوظيفي، والحصانة القضائية.
استقلال القضاء يستهدف أن يقف القاضي أمام القانون وحده، لا يرى خلف النص ظلَّ سلطان، ولا يسمع في أروقة الحكم همسًا إلا همس العدالة. هو أن تُصان منصة القضاء من كل يدٍ تحاول توجيهها، وأن يظل القاضي آمنًا في موقعه، لا يُكافَأ على هوى، ولا يُعاقَب على حق. في هذا الاستقلال تزدهر الثقة العامة، ويطمئن المواطن إلى أن خصومته، مهما كانت، لن تُحسم إلا بميزانٍ واحد لا يميل.
أما الاستقلال بالقضاء فهو تعبير يحمل دلالة سلبية، ويقصد به استخدام القضاء كأداة لتحقيق سلطة لفئة أو نظام أو جماعة، تحت غطاء الأحكام القضائية أو باسم القانون. وفي هذه الحالة لا يكون القضاء مستقلًا بحق، بل يتم توظيفه أو تسييسه لخدمة أهداف معينة.
وهناك صور متعددة للاستقلال بالقضاء، منها:
توجيه القضايا والاتهامات لأشخاص بعينهم لأسباب سياسية أو أيديولوجية.
استخدام الأحكام القضائية لإضفاء شرعية شكلية على قرارات مسبقة.
توسيع دور القضاء ليحل محل الإرادة الشعبية أو المؤسسات المنتخبة دون سند دستوري واضح.
وهنا يصبح القضاء وسيلة للهيمنة بدلًا من أن يكون أداة للعدل، مما يؤدي إلى تقويض الثقة العامة في النظام القضائي.
لذلك فالاستقلال بالقضاء هو مجرد تلاعب بالألفاظ وباللغة يخفي وراءه انحرافًا في المعنى والمآل. هو أن يتحول القضاء من غايةٍ في ذاته إلى وسيلة، ومن حارسٍ للشرعية إلى أداة تمنحها غطاءً شكليًا. هنا لا يُقصى القاضي عن السياسة فحسب، بل تُدخَل السياسة إلى صميم العدالة، متخفية في ثوب الإجراءات، ومتوارية خلف جلال الأحكام. في هذا السياق يُنتهك القضاء بالعدوان المباشر وغير المباشر، بل ويُستَخدم استخدامًا يُفرغه من روحه، ويُبقي على شكله فقط.
الفارق بين المفهومين في أن استقلال القضاء هو ضمانة للحرية والعدالة وسيادة القانون، بينما الاستقلال بالقضاء هو توظيف للقضاء لتحقيق أهداف غير قضائية. فالأول يحمي المجتمع من الاستبداد، أما الثاني فقد يكون أحد أدواته.
لذلك فإن الفارق بين المفهومين، عميقٌ في الأثر. لأن استقلال القضاء يضع حدًا للسلطة، بينما الاستقلال بالقضاء يمد لها أدوات جديدة لتقمع الشعب وتقمعه هو ذاته إن تجرأ على تحدى أوامرها. الأول يُخضع الجميع لحكم القانون، أما الثاني فقد يُخضع القانون نفسه لتوازنات القوة والسلطة. وبينما يقوم استقلال القضاء على الفصل بين السلطات بوصفه شرطًا للعدل، يؤدي الاستقلال بالقضاء إلى تداخلٍ مربك، تُستدعى فيه العدالة لتؤدي أدوارًا لم تُخلق لها.
إن التمييز بين استقلال القضاء والاستقلال بالقضاء ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة قانونية وسياسية لحماية دولة القانون. فالقضاء العادل هو القضاء المستقل، لا القضاء المُستَخدم. وكلما ترسخت ضمانات استقلال القضاء الحقيقي، كلما اقترب المجتمع من العدالة، وابتعد عن شبح التسييس والاستبداد باسم القانون.
ولذلك، فإن صيانة القضاء لا تكون برفع شعارات استقلاله فحسب، بل بحمايته من أن يُحمَّل ما ليس من شأنه، أو أن يُزج به في صراعات تتجاوز وظيفته الأصيلة. فالقضاء حين يكون مستقلًا بحق، يكون ملاذًا أخيرًا للحق، أما حين يُستقل به، فإنه يفقد هدوءه، وتضيع العدالة في ضجيج الشرعية المصطنعة.
خالد علي
محامي وسياسي مصري





