فن وثقافة

حين يصبح الشعر فعلَ حرية: قراءة في ديوان «أبواب» للشاعر “إيهاب لطيف”!!

لم يكن الوصول هيناً في ذلك الطقس الجليدي العاصف، الذي يميّز مدينة مونتريال في فصل الشتاء. ولكن الله سهلها، ووصلنا إلى رحاب الكنيسة التي جمعتنا في أمسية من أجمل الأمسيات، حيث أطلّ علينا الشاعر المصري الكندي الصديق “إيهاب لطيف” في قراءات من ديوانه الموسوم بعنوان “أبواب” والصادر حديثاً عن دار “قناديل” العراقية في مئتي وثمان وعشرين صفحة من القطع المتوسط.
أما لماذا هذا العنوان” أبواب” فالجواب يأتي على لسان الشاعر نفسه الذي يقول في مقدمة الديوان: “قد تجدون تشاؤماً متزايداً في أشعاري الأحدث، ولكني لا أسميّ اضمحلال الأمل في كتاباتي وأفكاري وحتى أحاسيسي تشاؤماً، بل واقعية استطعت بعد عمر أن أتقبلها”. (ص 11) ويتابع: “وأنني لن أتخلى عن الأمل أن بعض الأبواب، على الأقل، ستفتح في يوم من الأيام، وأن وراءها غداً أفضل من اليوم”(12).
فالأمل لا يخبو ابداً حيث ينشد قائلاً: “سيهوي الجدار/ سيهوي الجدار/ وخلف الجدار / سنبصر شمس/ نهار جديد…(38)
وهذا وحده كاف لنؤكد أن العنوان “أبواب” هو أفضل ما يُوسَم به هذا الديوان.
وعلى مدى حوالي الساعة والنصف تلا الشاعر قصائده التي كتبها على مدار أربعين سنة، تارة بالمحكية المصرية وطوراً بالعربية الفصحى، تلاها بسلاسة وبتلقائية قل مثيلهما، وهذا ما جعلني أؤكد أن ظني لم يخب في المهندس الذي تعرفت عليه من خلال مجموعة “كلمات”، فمنذ عرفته، توسّمت فيه فكر الثائر المقاوم الذي يسعى إلى الحق والخير والجمال ولو كره الكارهون.
ومن يقرأ ديوانه يتيقّن أن شعر “لُطيف” ليس مجرد كلام موزون ومقفّى، يدل على معنى معين، بل هو تعبير إنساني فريد، وهو كما يقول الشاعر الكبير أمين نخلة في تعريف الشعر:” أنا لو سُئلت لقلتُ في تعريفِه / طرب يهزّك كالغناءِ الصاخبِ”.
نعم لقد أطربنا إيهاب وهو يقرأ أشعاره الحزينة التي تضيءُ على وجع الإنسان العربي وعلى الظلم اللاحق به في طول بلادنا العربية وعرضها، (ولو كان ذلك الطرب شبيها بالكوميديا السوداء التي تتناول مواضيع محرمة وحساسة) فأشعارُه تتحدث عن الموت والحرب والسياسة والدين والفقر والجوع والوأد، ووجعِ الغربة، وفقدان العدالة والثورة وظلم الإنسان لأخيه الإنسان بمعظم أشكاله وألوانه … وهي تجمع بين الشعور والعاطفة والرؤى والخيال والصور والتعابير الجميلة، وبين الفكر النير الذي يقدس الحرية ويطالب بها، فهي بذلك تذكرنا بنصوص شاعر العامية المصري الراحل الذائع الصيت ” أحمد فؤاد نجم” رحمه الله.
وعلى رأس هذه المشاعر الإنسانية الراقية لا ننسى شعور الحنين إلى الوطن، الذي وصفه الشاعر العراقي “عيسى حسن الياسري” في تقديمه لديوان لطيف (13) قائلاً: “يبلغ الحنين إلى العودة لحضن الأرض الأولى درجة عالية من التوهّج، لكن هذا الحنين يصطدم بالخيبة التي تجعل هذه العودة مستحيلة لأن الأرض الأولى ما عادت تتذكر أبناءها الغائبين…”
وفي قصيدة “الولد اللي سافر” يُنشد إيهاب بالمحكية المصرية الجميلة (212/210):
الرحلة لما ابتدت/ ما لقيتش ليا رفيق/عيّل سابوه..
اتنسى في بحر جرحه عميق/ سنينه كان حلوها/ مرّ وطريقه شوك..
بعد السفر والتعب/ والغربة والأغراب/ لا الراحة يوم قابلته/ ولا لّقى فرحته
إزاي وأد فرحته؟/ ومين قتل غنوته؟
ومن المعلوم أن كثيرين يعتقدون بوجود وظيفة ما للشعر، وظيفة ضرورية تكمن في خلق نظام خاص يساعد على إعادة التوازن والانضباط للفوضى الداخلية التي تسكن نفس الشاعر، نتيجة ما يدور حوله من فوضى. فالشعر بهذا المعنى هو مصدر ثراء وإثراء في حال متابعته أو قراءته أو ترجمته، وله القدرة على مقاومة الألم، وحتماً له القدرة على الشفاء…
في قصيدة “بكتُل سكات الزول”(وهي باللهجة العامية السودانية، ومعناها:” الرصاصة لا تقتل، ما يقتل هو صمت الإنسان”) يقول (59):
هذي مدينتنا/ ليست مدينتكم
/ فلترحلوا عنها…
وفي الصفحة (60)
عدونا قد هان/ والخوف يردينا/ ما أنتم السجان/ بل سجننا فينا”
وفي الصفحة 18 يقول: فلتمش دربك يا ولدي/ مرفوع الرأس/ لا تخش جند الطغيان/ وإن حملوا السيف/ ما أهون عمرنا إن عشنا/ أسرى للخوف…
نعم إن شعر “لُطيف” هو ذلك الذي يمنح النص نغماً موسيقياً ملائماً فينقلنا إلى مزيج من ثنائية ضدية تخرجنا من عالم القلق والتوتر والكآبة إلى عالم النشوة والفرح، ويحدث فينا تلك القشعريرة التي تصيبنا بذلك الشعور الذي يخدّر آلامنا وينقلنا إلى عالم النشوة.

وقد هزتني أشعار ُلطيف وأشعرتني بتلك القشعريرة ولا سيما وهو يبكي القدس فيقول: يا قدس…/ يا قدس بي شوق/ والدرب مسدود/ والحق منسي/ والعدل مفقود..
كما يبكي بلدي الحبيب لبنان الذي تحوّل بين ليلة وضحاها من “سويسرا الشرق” إلى بلد منكوب. فيقول:
نبكيك لبنان/ بل أنت تبكينا/ صُمّت مسامعنا/ فلا تنادينا (ص 30)
وفي الختام لا بد من القول إن قصائد إيهاب لطيف تتميز من ناحية بعمق التفكير بما يحيط هذا العالم من تناقضات، ومن ظلم واضطهاد، ومن ناحية أخرى بشفافية التعبير وبساطته، ما يجعلها السهل الممتنع الجدير أن يطّلع عليه كلّ إنسان يسعى إلى إشاعة الحق والخير والجمال…
سلمت يداك وفكرك الثاقب أيها الشاعر الشفاف وإلى مزيد من العطاء الشعري المميز…
بقلم الأديبة لطيفة الحاج قديح

alarabicpost.com

موقع إخباري عربي دولي.. يتناول آخر الأخبار السياسية والاقتصادية والثقافية والرياضية، إضافة إلى التحقيقات وقضايا الرأي. ويتابع التطورات على مدار 24

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى