هل يقدس المسلمون الأشهر الحرم؟

مع اقتراب آخر أيام شهر رجب المحرم على الانتهاء، راود قلبي سؤالاً: هل مست حرمة الشهر المحرم شغاف قلوبنا؟ وهل تهذبت أرواحنا بطاعة الله، أم أننا مررنا بالشهر كعابر سبيل لا أثر له ولا خبر؟
إننا نعيش اليوم تناقضاً مفزعاً بين “نص إلهي” بالغ العظمة، وبين “واقع معاش” غارق في المادية. لقد تراجعت “هيبة النص” في نفوسنا، وفقدنا ذاك التعظيم الواجب لما حرم الله؛ فلو أن ملكاً من ملوك الأرض ضرب علينا موعداً وحذرنا من تجاوزه، لارتعدت الفرائص واهتزت الجوارح خوفاً من سطوته، فكيف بنا نقرأ قوله تعالى: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾، ثم نواقع المعاصي بدم بارد وكأننا قد نسينا قدسية ما حرم الله وأمنا عواقب التجرؤ على حدوده؟!
ذنوب أصبحت “نمط حياة”
لقد استبدت بنا الغفلة حتى غدت المعصية نمطاً يومياً لا نكاد نستشعره؛ فنحن كالسمك الذي يسبح في الماء فلا يشعر بوزنه، غرقنا في لجة الذنوب حتى فقد القلب “جهاز إنذار” الحلال والحرام. وفي زمن العولمة والمشتتات، صار التجرؤ على الحرمات يسيراً، وصارت الحدود الإلهية تنتهك بلمسة شاشة، في شهر كان يفترض أن يكون محراباً للسكينة والتزام طاعة الله.
الحرمة الضائعة: من “وثنية الجاهلية” إلى “جاهلية المصلحة”
يصدمنا التاريخ حين نرى أن كفار الجاهلية -على ضلالهم- كانوا أشد تعظيماً للأشهر الحرم منا؛ فكانت تعيش في قلوبهم قدسية الزمان فجعلوها “هدنة إجبارية” تضع فيها الحرب أوزارها، حتى ليلقى الرجل قاتل أبيه فلا يمسه بسوء.
أما اليوم، وبعد أن استبدت بنا “وثنية مقنعة” تعبد المصالح وتقدس “الأنا”، استبحنا الدم المسلم في السودان واليمن وليبيا والصومال، وبدلت ولاءنا لقدسية المحرمات بولاء للسلاح والحدود الجغرافية.
كما أن خذلاننا لأهلنا في غزة ليس إلا انعكاساً لضعف صلتنا بطاعة الله؛ فنحن مكبلون بذنوبنا، غارقون في حب الدنيا.
والحقيقة المرة هي أن “الفشل في الميدان ما هو إلا صدى لضعف هيبة النص في القلوب”. فمن عجز عن ترك “سيجارة” أو “نظرة محرمة” أو “غيبة” تعظيماً لرب الأشهر الحرم، كيف يرجو أن يحقق نصراً أو يرفع ظلماً عن أمة؟.
تناقض بشري وصراع مع القداسة
وليس المسلمون بدعاً في هذا التناقض، فالبشر عبر التاريخ برعوا في إيجاد “التخريجات” لخرق قوانينهم المقدسة؛ فرأينا الحروب الطاحنة في أوروبا المسيحية خلال “أعياد الميلاد”، ونرى انتهاكات حقوق الإنسان ممن يتشدقون بالليبرالية.
إن المشكلة في عمقها ليست في فكرة “القداسة” ذاتها، بل في “الإنسان” الذي يطوع هذه القداسة أو يتجاهلها كلما اصطدمت بشهوة القوة أو نزوة السيطرة.
فهل ندرك ما تبقى من رجب بوقفة صدق، نحيي فيها هيبة النص في قلوبنا، ونسترد بها طاعة الله في واقعنا.
شريف حمادة
كاتب وصحفي مصري




