تحقيقات وملفات

شهادات نجاح بعضها غير مؤكدة: كيف تحول “نظام الطيبات” إلى ظاهرة عابرة للقارات بعد وفاة مؤسسه؟

لم تُغلق وفاة الدكتور المصري ضياء العوضي، في أبريل 2026، ملف أفكاره الغذائية المثيرة للجدل، بل فتحت الباب أمام أوسع انتشار عرفته منذ ظهورها. فـ”نظام الطيبات”، الذي كان حتى وقت قريب أطروحة محلية محدودة التداول، تحوّل خلال أشهر معدودة إلى ظاهرة تتجاوز الحدود، تنتقل من الخليج إلى المغرب العربي واليمن عبر منصات التواصل الاجتماعي، وسط تحذيرات رسمية وطبية متصاعدة اللهجة.

السؤال الذي يفرض نفسه: كيف يجتذب نظام يحرّم القمح والحليب والخضروات، ويُبيح السمن البلدي، آلاف الأتباع الذين يروون “شهادات شفاء” بيقين لا يقبل الجدل؟ وأين يقف العلم من هذا اليقين؟.

كيف انتشر النظام؟
لم ينتشر “نظام الطيبات” عبر أبحاث محكّمة أو مؤسسات علمية، بل عبر آلية تسويقية ونفسية دفعتها مجموعات نشطة رقمياً بعد رحيل مؤسسه، على محتوى مبسّط وسريع الانتشار، من خلال مقاطع فيديو مترجمة ومجتزأة غزت “تيك توك” و”يوتيوب” و”فيسبوك”، تستهدف جمهوراً يبحث عن حلول صحية عاجلة.

كما تم ربط بعض المروّجين أفكار النظام بأبحاث نُسبت أو بشكل غير واقعي إلى جامعات مرموقة مثل أكسفورد، لإضفاء طابع أكاديمي عليه.
، هذا بالإضافة إلى تقسيم الأطعمة إلى “طيبات” مطهّرة للشرايين و”خبائث” مسبّبة للالتهاب، وهي صياغة يسهل تداولها مقارنة باللغة الطبية الدقيقة.

وتم استثمار النظام في تذمر عام من كلفة الرعاية الصحية والأدوية، وتقديم نفسه كبديل اقتصادي، ما حوّل الدفاع عنه من خيار غذائي إلى موقف شبه عقائدي لدى كثير من الأتباع.

لكن قراءة الظاهرة بإنصاف تكشف أنها ليست مجرد وهم جماعي عابر، بل مزيج من حقائق غذائية فعلية، ونجاحات واقعية لدى بعض المرضى، إلى جانب مخاوف طبية جدّية تتعلق بطريقة التطبيق وسلوك المتّبعين أكثر من المبدأ نفسه.

احتجاج على غذاء العصر
يصعب فهم رواج “نظام الطيبات” بمعزل عن أزمة حقيقية في الغذاء الحديث؛ فقد اكتسب مصداقيته من ملامسته لمشكلة فعلية يعاني منها كثيرون ، التخلص مما يسمّيه مروّجوه “سموم العصر”، حيث يمنع النظام الزيوت المهدرجة والمقليات والسكر الأبيض والأطعمة المصنّعة كالمعلبات واللحوم الباردة. والتوقف عن هذه المواد يمنح الجسم قدرة تلقائية على التعافي، ويخفض مؤشرات الالتهاب، ما يُشعر المتّبع بتحسّن سريع في الهضم ومستوى الطاقة.

صدى لانتقادات علمية سابقة
تقاطع النظام مع دراسات دولية حذّرت من الدقيق الأبيض شديد المعالجة وارتفاع الغلوتين فيه، ومن الدواجن والحليب التجاري المحمّل بالهرمونات والمضادات الحيوية بفعل الإنتاج الربحي المكثّف. لذلك، مثّل تجنّب هذه المنتجات فارقاً حقيقياً لأصحاب الأمعاء الحساسة، ومرضى القولون العصبي والتهابات المفاصل.
الجانب التحذيري: معضلة التعميم
في المقابل، تنبع تحفظات الأطباء والمؤسسات الصحية من زوايا علمية وإحصائية واضحة:
حظر أطعمة طبيعية بلا مبرر كافٍ: يرى الأطباء أن انحراف الصناعة الغذائية لا يبرّر حظر أطعمة طبيعية أساسية كالبقوليات والبيض ومعظم الخضروات، بتصنيفها ضمن “الخبائث”، وهو ما قد يفضي إلى نقص حاد في المعادن والفيتامينات إذا استمر الاستبعاد لفترات طويلة.
أثر “انحياز الناجين”: تنشر مجموعات الدعم شهادات من تحسّنت حالتهم فقط، بينما من ساءت حالتهم أو واجهوا مضاعفات نتيجة الحرمان الغذائي نادراً ما يظهرون، إذ يُحذف تعليقهم أحياناً للحفاظ على الصورة المثالية للنظام.

التوقف العشوائي عن الأدوية

أما النقطة التي تؤخذ على النظام وهي الأكثر خطورة في الجدل الدائر، والخاصة بتوقف المرضى عن تناول الأدوية وبخاصة الأنسولين، فبالعودة إلى طروحات الدكتور العوضي نفسه، لم يدعُ مرضى السكري أو ضغط الدم إلى إيقاف أدويتهم فجأة ومن تلقاء أنفسهم، بل تحدّث عن تهيئة الجسم للتعافي التدريجي، على أن يتولى الطبيب المعالج تعديل الجرعات أو سحبها.

غير أن الأزمة الفعلية، بحسب تقارير غرف الطوارئ وجهات رسمية من بينها وزارة الصحة السعودية، تكمن في الفجوة بين التنظير وسلوك بعض المتّبعين على أرض الواقع، بعد التحسّن المؤقت، الناتج عن التوقف عن الكربوهيدرات والأطعمة المصنّعة يخفّض سكر الدم والوزن تلقائياً، ما يمنح شعوراً حقيقياً في وجدان المريض بالشفاء التام، وإن لم يكن كذلك طبياً.

وبدافع الحماس على وسائل التواصل الاجتماعي، يقدم بعض المرضى على إيقاف الأنسولين أو أدوية الضغط والكوليسترول دون استشارة طبية، وحذر الأطباء منذ لك مؤكدين أن غياب الأعراض لا يعني غياب المرض؛ فارتفاع الضغط والكوليسترول أمراض “صامتة” قد تتفاقم فيها مشكلات الشرايين لأشهر دون ألم محسوس، بينما يؤدي التوقف الكامل عن الأنسولين لدى مرضى السكري إلى تدهور حاد ومفاجئ، مثل غيبوبة السكر الكيتونية، وهي حالات دفعت بالفعل بمرضى إلى وحدات العناية المركزة.

وبالتالي يبقى “نظام الطيبات” تجربة لافتة، انطلقت من مبادئ صحيحة جزئياً في مواجهة الأغذية المصنّعة والمشوّهة، واكتسبت مصداقيتها من نتائج واقعية لا يمكن تجاهلها بالكامل، لكنها لم تبني على أبحاث معملية، واعتمدت على تحسن الهضم أو انخفاض مؤشرات السكر الأولية وهي لا تكون تأكيدا على النجاح، أو مبررا لاتخاذ قرارات فردية بإيقاف أدوية حيوية دون إشراف طبي دقيق.

ويشدد عدد من الباحثين والمتخصصن في التغذية، على أن الصحة المستدامة، تتطلب موازنة ذكية بين الغذاء النظيف والمتابعة الطبية الصارمة، بعيداً عن الفخاخ الصامتة للأمراض المزمنة

تفاصيل ومبادئ النظام

المسموحات: يشجع النظام على تناول اللحوم، الزبدة، القشطة، والنشويات (مثل الأرز والبطاطس).

الممنوعات: يمنع استهلاك البيض، الأجبان، الخضراوات النيئة، والزيوت النباتية، إلى جانب تقييد تناول البقوليات.

طريقة الأكل: يُنصح بتناول الطعام فقط عند “الجوع الحقيقي”، والتوقف قبل الشبع، مع تقليل عدد الوجبات.

شرب الماء: يوجه النظام بعدم شرب الماء إلا عند الشعور بالعطش فقط.
تقرير شريف حمادة:
كاتب صحفي مصري

alarabicpost.com

موقع إخباري عربي دولي.. يتناول آخر الأخبار السياسية والاقتصادية والثقافية والرياضية، إضافة إلى التحقيقات وقضايا الرأي. ويتابع التطورات على مدار 24

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى