سر إنكار يوسف زيدان لحادثة الفيل.. هل أصاب العقل أم خانه الدليل؟

لم يعد التشكيك في الثوابت الإسلامية مجرد آراء عابرة، بل تحول إلى ظاهرة ممنهجة تقودها منصات فكرية كمركز “تكوين” ومفكرون كـ يوسف زيدان، والذين يتخذون من “العقلانية” ستاراً لتمرير روايات تهدف إلى زعزعة العقيدة وصرف الناس عن دينهم.
وإن المحاولة الأخيرة لإنكار حادثة الفيل بادعاء عدم منطقيتها جغرافياً وسياسياً، تكشف عن خلل كبير في قراءة التاريخ وشواهده. ولأن مقارعة الحجة بالحجة هي السبيل الأقوى لإبطال هذا التضليل، فإن الرد على هؤلاء لن ينطلق من المسلمات الإيمانية التي ينكرونها أصلاً، بل سيكون بالمنطق الصارم والدليل التاريخي والواقعي الذي يثبت زيف ادعاءاتهم، ويكشف عن تهافت منهجهم الفكري أمام العقل الحر.
ما ذكره يوسف زيدان حول قصة أبرهة الأشرم والذي جاء بالفيل من الحبشة ليهدم الكعبة بأنها قصة غير صحيحة، وقال نصا : ” وهب بن منبه – وهو يهودي الأصل – روى لنا قصة أبرهة الأشرم الذي جاء بالفيل من الحبشة لهدم الكعبة، وهذا غير معقول؛ فأبرهة كان مسيحيًا والإسلام لم يظهر بعد، فلماذا يهدم كعبة قريش؟ والكعبة الرئيسية كانت في الطائف، فلماذا يتجه إلى مكة؟ ” .
والرد على يوسف وأمثاله ممن يدعون العقلانية والحياد في هذا الأمر سيكون بالعقلانية نفسها، فلن نؤكد أن ما جاء بالقرآن الكريم هو الحق عينه والصواب ذاته وما خالفه هو الباطل والضلال؛ لأن القرآن الكريم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؛ لأننا لو ذكرنا ذلك فلن يعترف به من لا يعترفون بمصداقية القرآن الكريم ذاته ولا حتى بنبوة الرسول صلى الله عليه وسلم ، ويلجئون ليل نهار لتشكيك الناس في دينهم وصرفهم عن عقيدتهم وإغوائهم تنفيذا لأمر سيدهم الأعظم الذي أقسم لرب العزة : ” قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغۡوِيَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ (82) إِلَّا عِبَادَكَ مِنۡهُمُ ٱلۡمُخۡلَصِينَ (83) ” .
فبداية هل يوجد لدى العرب قبل الإسلام ما يشير إلى فيل أو حادثة كبرى كان فيها فيل ؟ والإجابة أوضح من الشمس في كبد السماء، فبالفعل هناك لدى العرب عام يسمى بعام الفيل، حيث أجمعت المصادر التاريخية المبكرة على أن العرب قبل الإسلام لم يكونوا يمتلكون تقويماً موحداً يبدأ من حدث تاريخي محدد، بل كانوا يؤرخون بالوقائع الكبرى، مثل حرب الفجار أو بناء الكعبة أو عام الفيل؛ ومما ورد من الشعر الجاهلي في ذكر ذلك الفيل قال ابن هشام أبو قيس : صيفي بن الأسلت بن جشم بن وائل بن زيد بن قيس بن عامرة بن مرة بن مالك بن الأوس :
ومن صنعه يوم فيل الحوش إذ كلما بعثوه رزم
محاجنهم تحت أقرابه وقد شرموا أنفه فانخرم
وقد جعلوا سوطه مغولا إذا يمموه قفاه كلم
وقال ابن هشام : في أبيات تروى لأمية بن أبي الصلت بن أبي ربيعة الثقفي :
إن آيات ربنا ثاقبات لا يماري فيهن إلا الكفور
حبس الفيل بالمغمس حتى ظل يحبو كأنه معقور
وقد حظي عام الفيل بمكانة خاصة لأنه ارتبط بمولد النبي ﷺ، ووردت روايات كثيرة في كتب التاريخ ولا علاقة لها بوهب بن منبه وهي مدققة ومحققة تاريخيا وعن بعض المعاصرين تشير إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم وُلِد في عام الفيل، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: “وُلِد النبيُّ عام الفيل”، وعن قيس بن مخرمة قال: «وُلِدْتُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الْفِيلِ، فَنَحْنُ لِدَانِ، وُلِدْنَا مَوْلِدًا وَاحِدًا» ، وعنه أيضًا قال: ولد رسول الله عام الفيل وبين الفجار وبين الفيل عشرون سنة.
وعن أبي الحويرث قال: سمعت عبد الملك بن مروان يقول للقباث بن أشيم: يا قباث أنت أكبر أم رسول الله؟ فقال: بل رسول الله أكبر مني وأنا أسنُّ منه؛ وُلِد رسول الله عام الفيل وتنبَّأ على رأس الأربعين من الفيل”.
وعَنْ أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ، قالت: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَضَّلَ اللهُ قُرَيْشًا بِسَبْعِ خِصَالٍ لَمْ يُعْطَهَا أَحَدٌ قَبْلَهُمْ، وَلَا يُعْطَاهَا أَحَدٌ بَعْدَهُمْ: فَضَّلَ اللهُ قُرَيْشًا أَنِّي مِنْهُمْ فَإِنَّ النُّبُوَّةَ فِيهِمْ، وَإِنَّ الْحِجابَةَ فِيهِمْ، وَإِنَّ السِّقَايَةَ فِيهِمْ، ونَصَرَهُمْ عَلَى الْفِيلِ، وعَبَدُوا اللهَ عَشْرَ سِنِينَ لَا يَعْبُدُهُ غَيْرُهُمْ، وَأَنْزَلَ اللهُ فِيهِمْ سُورَةً مِنَ الْقُرْآنِ لَمْ تَنْزِلْ فِي أَحَدٍ غَيْرِهِمْ» .
وروى البخاري عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مكة قَامَ فِي النَّاسِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ..»
. وروى البخاري أيضًا عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ أن ناقة الرسول صلى الله عليه وسلم بَرَكَتْ بِهِ قبل مكة في رحلة الحديبية، “فَقَالَ النَّاسُ: حَلْ حَلْ، فَأَلَحَّتْ. فَقَالُوا: “خَلَأَتْ الْقَصْوَاءُ خَلَأَتْ الْقَصْوَاءُ” فَقَالَ النَّبِيُّ: «مَا خَلَأَتْ الْقَصْوَاءُ وَمَا ذَاكَ لَهَا بِخُلُقٍ، وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ، ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا»، ثُمَّ زَجَرَهَا فَوَثَبَتْ “.
إذا فالعرب جميعا تعلم عن حادثة الفيل وما تم منه، والدليل ما تم ذكره عن الفيل من الرسول صلى الله عليه وسلم فلم يعارضه أحد، ولم يقل أحد مثلا : ما ذاك الفيل الذي حبس ؟ وما الفيل الذي حبس عن مكة ؟.

كما أن سورة الفيل نزلت بمكة بعد حادثة الفيل بسنوات ليست طويلة بما يؤكد وجود من شهد هذه الحادثة؛ لذا لم يعرض أحد من الكفار أمر السورة، ويقول لم يحدث ذلك ولم نر فيلا مثلا، وكانوا حريصين على معارضة الرسول الكريم ومناهضة دينه بكل الطرق والسبل، فعدم معارضتهم تلك السورة وهي قد نزلت توضح نعم الله عليهم، وأنه دمر أصحاب الفيل حتى يجعل حياتهم آمنة، وقد أرسل على أصحاب الفيل الطير القاذفة، وكل هذه المعلومات لم يعرضها أحد من الكفار، ويقول : إنها لم تحدث، وهم المعاصرون للحادثة، وقد تناقلوها بالتواتر.
وبعد ألف وأربعمائة وثمانية وأربعين عاما، يأتي يوسف زيدان ليقول: إنها لم تحدث، فمن نصدق إذا بالمقاييس العقلية فقط ؟!.
أما إن “أبرهة” كان قديسا مسيحيا حبشيا، لم يذهب إلى مكة، ولا يمكن للفيل أن يسير من اليمن إلى مكة، والقصة كلها إسرائيلية وتشير إلى سفر المكابيين وهو من أسفار العهد القديم غير القانونية، فهذا مردود عليه – ولن نذكر أن وضوح كذب يوسف زيدان واختلاقه في عدم وجود فيل يكفي لعدم الرد عليه في باقي الافتراءات – وذلك بالأدلة المادية الحسية، مراعين أن القرآن الكريم لم يذكر اسم أبرهة الأشرم.
كتب د. حربي الخولي
كاتب وباحث مصري


