بين الحماية والتخريب شعرة اسمها المحامي!!

بعض البيوت لا تسقط يوم تبدأ المشكلة… بل يوم تجد من يحوّل المشكلة إلى معركة.
وليس كل من يعرف القانون يعرف العدالة، ولا كل من يكسب قضية يكون قد أنقذ إنسانًا.
في النزاعات الأسرية يدخل المحامي إلى بيت يهتز: زوجان غاضبان، وأطفال يدفعون الثمن.
وهنا قد يصبح آخر جدار يمنع الانهيار… أو اليد التي تدفعه ليسقط.
المحامي الشريف لا يبيع موكله وهم الانتصار ولا يخفي عنه تكلفة الحرب، أما السيئ فقد يكفيه أن يصوّر التسوية هزيمة والصلح ضعفًا، فيدخل الإنسان مكتبه يريد حقه… ويخرج يريد تدمير خصمه.
وهناك مسافة قاسية بين رفع القضية والحصول على الحق.
فالحق المكتوب في صحيفة دعوى ليس هو الحق الموجود في اليد، وبين الاثنين قد تمر شهور أو سنوات من الضغوط والمصاريف.
وفي بعض قضايا الأسرة قد يجعل الاحتياج صاحبة الحق أكثر عرضة للاستغلال، والعار ليس عليها، بل على من يستغل احتياجها.
لكن لماذا ننتظر المحكمة أصلًا؟
قديمًا، كان في كثير من البيوت «كبير» يُنتظر منه التدخل بحكمة.
ولم تكن مجالس الصلح دائمًا عادلة؛ فقد يُسكت فيها مظلوم باسم «سترة البيت».
واليوم ليست كل أسرة تملك هذا الكبير، وبعض من يتدخلون يكونون منحازين، فيتحول الصلح أحيانًا من محاولة لإطفاء النار إلى اجتماع لتوزيع البنزين.
وهنا يبدأ دور آخر للمحامي: لماذا لا يكون سندًا لموكله وجسرًا للحل قبل أن يصبح قائدًا لخصومة كان يمكن تجنبها؟
فحين يغيب الكبير الناضج، قد يصبح المحامي ـ بحكمته ونزاهته ـ صوت العقل الذي يسأل: ماذا ستكسبون؟ ماذا ستخسرون؟ ومن سيدفع الثمن بعد انتهاء الغضب؟
فالزوجان قد يتصالحان والمحامون يغلقون الملفات… لكن طفلًا عاش سنوات الحرب قد لا يستطيع إغلاقها داخله بالسهولة نفسها.
وحين يكون لكل طرف محاميه، يمكن أن يتحول المحاميان من قائدي معركة إلى جسري تفاوض؛ كل منهما يحمي موكله دون أن تبتلع الخصومة الأسرة.
ولماذا لا تكون التسوية العادلة عملًا مهنيًا مقدَّرًا في أتعاب المحامي؟
فمن أنهى خصومة بتسوية تحفظ الحقوق وربما أنقذت بيتًا وأطفالًا، لم يقدم خدمة أقل ممن خاضها وربحها، ما دام المعيار عدالة الحل وتقليل الخسائر لا سرعة إغلاق الملف.
وليست كل قضية قابلة للصلح؛ فعندما يصبح التقاضي ضرورة فالمحكمة هي الطريق، لكنها طريق إلى العدالة عندما تفشل الحلول، لا أول طلقة عند أول خلاف.
وهنا السؤال: هل تكفي قواعد السلوك المهني الحالية لقضايا الأسرة، أم نحتاج إلى ميثاق أكثر صرامة يفصل بين الدفاع والتحريض، والاجتهاد والتضليل؟
فالدفاع لا يعني صناعة واقع على الورق لا يمت إلى الحقيقة بصلة؛ كتقديم بيانات عن دخل لا تعكس الحقيقة، أو بناء اتهام بالضرب بلا دليل.
والمحاسبة عند ثبوت المخالفات الجسيمة ضرورة، مع ضمان حق المحامي في الدفاع عن نفسه، لأن الشكوى ليست إدانة.
ويمكن تعزيز الثقة برقابة محايدة تحمي الموكل من التجاوز والمحامي من الشكاوى الكيدية.
فاستقلال المحاماة ضرورة للعدالة… لكنه لا يعني استقلال الخطأ عن الحساب.
قضايا الأسرة ليست أرقام دعاوى؛ هناك أطفال وكرامة وخصوصية وسنوات عمر.
وقد يكسب المحامي القضية ويحصل الموكل على الحكم… بينما تكون الأسرة نفسها قد خسرت الحرب.
نحن لا نريد محاميًا يتنازل عن الحقوق باسم الأسرة، ولا محاميًا يشعل النار باسم الحقوق.
نريده أن يعرف متى يقاتل ومتى يتفاوض، ومتى يقول لموكله: حقك سأحميه… لكنني لن أساعدك على تحويله إلى انتقام.
وحين يغيب كبير العائلة، نحتاج محاميًا يعرف متى يفتح باب المحكمة… ومتى يكون إغلاقه حمايةً للحقوق وفرصةً لبقاء الأسرة.
فربما تكون أعظم قضية يكسبها محامٍ يومًا… هي القضية التي نجح بحكمته في ألا تصل إلى المحكمة.
وبين الحماية والتخريب شعرة… اسمها المحامي.
بقلم محمود حمدى





