حين غاب الأب!!

ظن الجميع أن الذي رحل رجل واحد، لكن الأيام كشفت أن الفراغ الذي تركه كان أكبر من شخص.
لم يظهر هذا الفراغ دفعة واحدة، بل كشف عن نفسه مع كل موقف كانت الأسرة تعبره مطمئنة، لأنها كانت تعرف، ولو دون أن تقول، أن هناك رجلًا يقف بينها وبين قسوة الحياة، يواجهها أولًا… حتى تصل إليهم أخف مما كانت.
يوم يفتح أحد الأبناء هاتفه، فيقع بصره على اسم أبيه، فيتذكر أنه لن يسمع صوته مرة أخرى. ويوم يمر بجوار مكانه المعتاد، فيشتاق إلى ذلك السؤال البسيط: “كلت ولا لسه؟” عندها فقط يدرك أن الطمأنينة كانت تختبئ في تفاصيل صغيرة ظنها عادية طوال العمر.
لم يكن الأب مجرد رجل يعيش في البيت، بل كان ميزانًا خفيًا تستقر به الحياة. كان يعود مثقلًا بما لا يعرفه أحد، ثم يدخل البيت وكأن شيئًا لم يحدث، لأن آخر ما كان يريده أن يرث أبناؤه همومه قبل أن يرثوا عمره. يخاف، لكنه لا ينقل خوفه إليهم.
يقلق، لكنه يمنحهم الطمأنينة. لذلك ظن الأبناء أن الحياة أقل قسوة مما هي عليه، لأنهم كانوا يرون نتائج معاركه، لا المعارك نفسها.
ولا يكتشف الأبناء حقيقة هذا الدور إلا بعد غيابه. في أول أزمة، أو أول قرار مصيري، يلتفت أحدهم بعفوية ليقول: “بابا…” ثم يصمت.
يحدق في هاتفه لحظات، قبل أن يضعه جانبًا، مدركًا أن عليه هذه المرة أن يبحث عن الإجابة داخله، لا في صوت أبيه.
هناك فقط يفهم أن الأب لم يكن يحل كل شيء، لكنه كان يجعل مواجهة كل شيء ممكنة، وأن غيابه لا يعني فقط أن السند سقط، بل أن على الإخوة أنفسهم أن يصبحوا السند الذي كان يجمعهم، ومع ذلك، لم يكن أكبر ما يخشاه الأب أن يرحل، بل أن يرحل البيت بعده. كان يخاف أن يصبح الإخوة غرباء بعدما كانوا عائلة واحدة، وأن يتحول البيت الذي جمعهم سنوات طويلة إلى مجرد عنوان.
فحين يغيب الأب، لا يُختبر الأبناء في قدرتهم على البكاء، بل في قدرتهم على البقاء معًا، ولو عاد الأب دقيقة واحدة، فلن يسأل: هل اشتقتم إليه؟ سينظر أولًا إلى أبنائه. فإن وجد بينهم مودة ورحمة وسندًا متبادلًا، أدرك أن عمره لم يذهب سدى، وإن وجد بينهم خصامًا وقطيعة، سيدرك أن أكثر ما كان يخشاه قد وقع، وأن البيت الذي قضى عمره يبنيه لم تهدمه الأيام… بل هدمه أهله.
فإذا أردتم أن تكرموا أباكم يومًا، فلا تجعلوا غيابه بداية لتفرقكم، بل اجعلوه سببًا لاجتماعكم, لأن الأب لا يورث أبناءه بيتًا ولا مالًا فقط، بل يورثهم أسرة. فإذا بقيت الأسرة متماسكة، بقي أثره حيًا بينهم، وإن ضاعت، ضاع آخر ما عاش عمره كله ليحافظ عليه.
وقد يغيب الأب عن البيت، لكن أبناءه هم الذين يقررون كل يوم إن كان سيبقى حاضرًا في مودتهم، وفي اجتماعهم، وفي الأسرة التي تركها أمانة بينهم… أم سيغيب أثره حين تضيع الأسرة.
فإذا كان الأب لا يغيب وحده… فلماذا نترك ما بقي منه يغيب بيننا؟
بقلم محمود حمدى

