اختراق أم تصفية حسابات؟.. “وثائق نجاد” والحرب النفسية بين تل أبيب وطهران

في توقيت بالغ الحساسية الإقليمية، ومع عودة تصاعد وتيرة المواجهة المباشرة بين واشنطن وطهران، فجرت تقارير صحفية بدأت من صحيفة “هآرتس” العبرية وتبنتها لاحقاً “نيويورك تايمز” الأمريكية، قنبلة سياسية من العيار الثقيل.
تزعم هذه التقارير وجود مخطط استخباري للموساد الإسرائيلي كان يستهدف استقطاب الرئيس الإيراني الأسبق، محمود أحمدي نجاد، لإعداده لدوائر التأثير وصنع القرار مستقبلاً، بالتزامن مع تسريبات غير مؤكدة حول وضعه قيد الإقامة الجبرية.
ورغم مسارعة مكتب نجاد لنفي هذه الأنباء ووصفها بـ “الرواية الهوليوودية”، لزم الصمت المطبق أروقة الحكم الرسمية في طهران.
وفي غياب الأدلة المستقلة، يتجاوز هذا الحدث سياق “الواقعة الأمنية” ليتحول إلى أداة حادة في صراع المحاور، ووسيلة لتصفية الحسابات السياسية داخل البنية الإيرانية المعقدة، مستغلةً التاريخ الصدامي لنجاد مع مراكز القوى التقليدية كالحرس الثوري والمؤسسة الدينية.
الأهداف الكامنة وراء التسريب.. ولماذا الآن؟
إن تسريب وثائق ومعلومات بهذا الحجم إلى واشنطن وتل أبيب لا يمكن تصنيفه كحدث عشوائي، بل هو تكتيك استخباري مدروس بعناية لتحقيق عدة أهداف استراتيجية:
ويؤكد المحللون أن الهدف الأبرز للآلة الإعلامية الاستخبارية هو زرع بذور الشك والريبة بين أركان النظام الإيراني، فعندما يتم الترويج لفكرة أن رئيساً سابقاً يمثل رمزاً للتيار المحافظ المتشدد كان هدفاً للاختراق، فإن ذلك يدفع الأجهزة الأمنية الإيرانية إلى حالة من الشك المتبادل، حيث يصبح كل مسؤول—سابقاً كان أم حالياً—متهماً محتملاً حتى تثبت براءته.
الاغتيال المعنوي والسياسي لشخصية “نجاد”
يتمتع محمود أحمدي نجاد بكاريزما شعبوية وقاعدة جماهيرية لا يستهان بها، ولطالما شكّل بمواقفه الانتقادية الحادة “صداعاً سياسياً” للنظام الإيراني. إن ربط اسمه—ولو عبر محاولة تجنيد فاشلة—بالعدو اللدود طهران، يكفي لحرق أوراقه السياسية تماماً، ووأد أي طموح له بالعودة إلى المشهد مستقبلاً.
البحث عن نصر مزيف وإثبات “الذراع الطويلة”
تسعى إسرائيل من خلال هذه السردية إلى توجيه رسالة مزدوجة للداخل الإيراني وللمجتمع الدولي، مفادها أن اختراقاتها لم تعد مقتصرة على المنشآت النووية أو الاغتيالات الميدانية، بل إن يد “الموساد” قادرة على العبث بأعلى الهرم السياسي الإيراني.
استنزاف جهاز الأمن القومي الإيراني
يعمل هذا التسريب كأداة تشتيت بامتياز؛ إذ يُجبر أجهزة الاستخبارات الإيرانية وحرس الثورة على هدر طاقاتهم ووقتهم في تحقيقات داخلية معقدة وملاحقة “شبهات” وهمية، بدلاً من التركيز على مواجهة التهديدات الخارجية المباشرة.
يظل السؤال المحوري الذي يشغل خبراء الأمن: كيف تسمح المخابرات الإسرائيلية بكشف خيوط عملية بهذه الأهمية؟.
وطبقا لدراسة طبيعة العمل الاستخباري والذي لا يقبل الارتجال، كما أن كشف “العميل” أو “مشروع العميل” يخضع لحسابات معقدة تنقسم إلى مسارين:
الأول: في حال “العميل المحتمل” (فشل الاستقطاب)
إذا اعتبرنا—وفقاً لرواية هآرتس—أن المشروع تعثر ولم يؤتِ ثماراً، فإن الكشف عن العملية يتحول إلى خطة بديلة (Plan B).
ككا أنه بمجرد أن تفقد المحاولة السريّة قيمتها، يتم تحويلها فوراً إلى “سلاح علني” في الحرب النفسية لضرب الهدف وتشويهه.
وإذا رفض الهدف التعاون، يتم معاقبته بنشر تسريبات تظهره بمظهر الخائن أمام أجهزته وشعبه، مما يترك للنظام مهمة تصفيته سياسياً أو جسدياً بالنيابة عن المخابرات الأجنبية.
أما إذا كان التجنيد قد تم بالفعل وقررت المخابرات التضحية به، فإن ذلك يعود لثلاث فرضيات أمنية:
انتهاء الصلاحية الوظيفية:
عندما يفقد العميل موقعه في السلطة، ويصبح عاجزاً عن الوصول إلى معلومات حساسة ومؤثرة (كما هو حال نجاد البعيد عن السلطة الفعلية منذ سنوات).
أما التضحية بـ “عميل معروف” أو إثارة الغبار حوله قد تكون مناورة ذكية لتشتيت الانتباه عن عميل آخر أكثر أهمية، ولا يزال يعمل بحرية داخل مطبخ صنع القرار الإيراني الحالي.
استباق السقوط (سياسة الأرض المحروقة): إذا شعرت المخابرات أن أجهزة الأمن الإيرانية باتت على وشك الإطاحة بعميلها، فإنها تسارع لكشفه علناً لتفسد على طهران فرصة التحقيق الصامت ولتظهر بمظهر القوي المسيطر على اللعبة من بدايتها إلى نهايتها.
في المحصلة، يُثبت هذا المشهد أن الحرب الدائرة بين تل أبيب وطهران ليست عسكرية أو سيبرانية فحسب، بل هي “حرب نفسية بامتياز” تُستخدم فيها كبريات المنصات الصحفية العالمية كحقول ألغام.
لقد نجحت إسرائيل في تحقيق جزء كبير من أهدافها بمجرد نشر التقرير؛ إذ دفعت النظام الإيراني إلى زاوية الشك، ووضعت نجاد في موقف دفاعي مستمر، وفرضت على الجميع مناقشة “فرضيّة استخباراتية” والتعامل معها كأمر واقع غيّر من معادلات الصراع الداخلي في إيران.
شريف حمادة
كاتب وصحفي مصري



