فضيحة الاستغناء!!..

أخطر ما في بعض العلاقات أنها لا تكذب عليك في نهايتها… بل في سبب بقائها.
هناك نوع من الناس لا يدخل العلاقة بحثًا عن شريك، بل بحثًا عن مرحلة. لا يرى في الطرف الآخر إنسانًا كاملًا، بل وسيلة عبور، ولا يتعامل مع وجوده كقيمة، بل كدور مؤقت يؤديه ما دام نافعًا.
هذه ليست علاقة… بل مشروع انتظار.
ينتظر حتى يقف على قدميه، أو يجد بديلًا، أو تكتمل أوراق قوته، ثم يبدأ في إعادة كتابة التاريخ.
من كان سندًا يصبح متحكمًا، ومن كان يعطي يصبح مستغلًا، ومن كان يصبر يصبح ضعيفًا.
الأفعال نفسها لا تتغير… الذي يتغير هو ميزان الحاجة.
وحين تنتهي الحاجة… تتبدل قراءة الماضي.
وهنا تظهر الحقيقة بلا أقنعة: بعض الناس لا يغادرون عندما تضعف المشاعر، بل عندما يصبح الرحيل آمنًا.
لا يواجهون وهم في لحظة ضعف، بل ينتظرون حتى تصبح الخسارة محسوبة، ثم يخرجون بلسان الضحية، وكأن التاريخ بدأ يوم قرروا الرحيل، لا يوم وقف الطرف الآخر إلى جوارهم.
ولهذا لا يكون الاستغناء قرارًا مفاجئًا، بل النهاية المعلنة لحسابٍ بدأ منذ زمن.
فالعلاقة التي بُنيت على المنفعة لا تنهار عند أول خلاف… بل تنتهي عند أول شعور بالاكتفاء.
والأقسى أن من يُترك بهذه الطريقة لا ينكسر بسبب الفراق وحده، بل بسبب اكتشافه المتأخر أن القصة التي عاشها لم تكن هي القصة التي كان يعيشها الطرف الآخر.
ليست المشكلة أن يرحل إنسان من علاقة مؤذية؛ فهذا حق لا جدال فيه.
المشكلة أن يدخل العلاقة بعقلية الصفقة، ويبقى فيها بعقلية الحساب، ثم يغادر منها مرتديًا ثوب المظلوم، بعدما استهلك وقت الطرف الآخر، وجهده، وثقته… ثم يتركه يعيد مراجعة عمرٍ كامل.
فالاستغناء هو الامتحان الوحيد الذي لا يستطيع أحد تزويره.
ففي لحظته تسقط الوعود، وتسقط المبررات، ولا يبقى إلا سبب البقاء الحقيقي.
فالرحيل لا يفضح العلاقة وحده… بل يفضح سبب البقاء.
ولعل أقسى ما يكتشفه الإنسان، أن العلاقة لم تنتهِ يوم وقع الرحيل… بل يوم انتهت الحاجة، أما الرحيل فلم يكن سوى الإعلان المتأخر.
هل كنتُ إنسانًا في قلب من أحببته… أم مجرد وسيلة استُخدمت حتى لم تعد هناك حاجة إليها؟
بقلم محمود حمدي

