المقاربة المصرية في البحر الأحمر: تفاصيل تحفظ القاهرة على “التحالف البحري” السعودي!!

أثار التحفظ المصري الأخير على الانضمام إلى التحالف البحري متعدّد الجنسيات، الذي أعلنت المملكة العربية السعودية عن تشكيله لحماية الملاحة في البحر الأحمر، تساؤلات عريضة حول طبيعة الحسابات الاستراتيجية للقاهرة في توقيت شديد الحساسية إقليمياً.
ورغم المساعي السعودية المكثفة لإقناع الجانب المصري بالمشاركة، إلا أن الموقف الدبلوماسي والعسكري لمصر جاء متسقاً مع ثوابت تاريخية ومعادلات معقدة تحكم سياستها الخارجية.
عقيدة دفاعية وحسابات الأمن القومي
في المقام الأول، يستند الموقف المصري إلى “عقيدة راسخة” ترتكز على تجنب الانخراط في أي عمليات عسكرية خارج الحدود لا ترتبط ارتباطاً مباشراً ومباشراً بالأمن القومي للبلاد.
وترى القاهرة أن الانضواء تحت لواء تحالفات عسكرية هجومية أو ذات طابع مواجهة قد يؤدي إلى توسيع دائرة الصراع في المنطقة، وهو ما تسعى الإدارة المصرية لتجنبه في ظل الاشتعال الراهن لملفات إقليمية متعددة.بدلاً من الخيار العسكري المباشر، تطرح مصر مقاربة بديلة تقوم على:التنسيق السياسي والأمني الفعال بين الدول المشاطئة للبحر الأحمر.تبادل المعلومات الاستخباراتية لتأمين حركة التجارة العالمية.
الحفاظ على “مساحة المناورة” ودور الوسيط
تمثل رغبة القاهرة في الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف الفاعلة في الأزمات الإقليمية حجر زاوية في القرار المصري.
فالانضمام إلى تحالف عسكري قد يُفسر من قبل بعض القوى الإقليمية أو الفصائل المؤثرة على أنه انحياز لطرف ضد آخر، مما يفقد القاهرة ميزتها الاستراتيجية الأهم وهي قدرتها على لعب دور “الوسيط النزيه” والمقبول من الجميع في صيغ التهدئة المستقبلية.
الضوابط الدستورية والمؤسسية
إلى جانب الأبعاد السياسية، برز البُعد القانوني والدستوري كعامل حسم في إدارة هذا الملف؛ حيث أكدت مصادر رسمية مصرية أن مسألة المشاركة لا تزال تخضع لعملية تقييم ومراجعة قانونية صارمة. فالدستور المصري يفرض أطراً محددة لإرسال قوات عسكرية إلى الخارج، تتضمن وجوب الحصول على موافقة مجلس النواب (البرلمان) بعد استيفاء دراسة المصالح الوطنية العليا، مما يعني أن القاهرة لا تتعامل مع الأمر كقرار سياسي عابر، بل كخطوة مؤسسية تتطلب توافقاً دستورياً شاملاً.
اتجاه صحيح.. ولكن!
من الناحية الاستراتيجية، يرى خبراء دبلوماسيون، ومنهم مساعدو وزير الخارجية الأسبق في مصر، أن فكرة تشكيل تحالف أمني إقليمي لتأمين الممرات البحرية هي خطوة سليمة في جوهرها وتسير في الاتجاه الصحيح لحماية التجارة الدولية. ومع ذلك، فإن التحفظ المصري يتقاطع مع حاجة هذا التحالف إلى “مزيد من الوضوح”؛ إذ تظل أهدافه النهائية، وطبيعة المخاطر التي يستهدفها، وتوزيع الأدوار المحددة لكل دولة مشاركة، نقاطاً رمادية تتطلب نقاشات أعمق قبل اتخاذ أي قرار مصيري بالانخراط الميداني.
تقرير شريف حمادة
كاتب وصحفي مصري






