حقيقة “رسائل رع”و”قانون الواحد” التي يخفيها صناع المحتوى!
استدراج الشباب للإلحاد من بوابة الهوية وعلوم الطاقة

شهدت منصات التواصل الاجتماعي, في السنوات الأخيرة موجة صاعدة من صناع المحتوى الذين اتخذوا من “الهوية المصرية” والدفاع عن التاريخ الفرعوني شعاراً جذاباً لهم.
ويحظي هؤلاء بمتابعة آلاف الشباب المدفوعين بحب الوطن والرغبة في الفخر بأجدادهم، لكن المتابع الدقيق لبعض هذه المنصات يلاحظ تحولا تدريجياً وخطرا في الخطاب؛ إذ يبدأ الأمر بالحديث عن الحضارة والآثار، لينتهي بالترويج لـ “قانون الواحد” (The Law of One) وما يعرف بـ “رسائل رع”.
استغلال الشغف بالهوية لهدم الدين والعقل
وتبدأ (الحركة الكميتية) بدغدغة المشاعر القومية حيث تطرح دائما نقطة اتفاق لا يختلف عليها اثنان، مثل الاعتزاز بالحضارة المصرية القديمة.
ويقدم صانع المحتوى نفسه كحارس للهوية، ومحارب للمحاولات الخارجية لسرقة التاريخ المصري، طبعا هذا الخطاب الذكي يبني جسراً من الثقة العمياء بينه وبين المتابع الشاب.
ويصبح صانع المحتوى في عين الشاب “رمزا وطنياً وعقلانيا، مما يرفع دفاعات الشاب الفكرية ويجعله مستعداً لتقبل أي فكرة تالية دون تمحيص.
من التاريخ إلى “الميتافيزيقا” وعلوم الطاقة
بعد التمكين وبناء القاعدة الجماهيرية، ينتقل الخطاب من التوثيق التاريخي الأكاديمي (المعتمد على علم المصريات والآثار) إلى منطقة رمادية مليئة بالغموض، حيث يبدأ الحديث عن “أسرار الفراعنة”، “الطاقة الحيوية للأهرامات”، و”الوعي الكوني للمصريين القدماء”.
هنا يتم خلط الحقائق التاريخية بالخيال العلمي و”العلم الزائف” ، لتهيئة عقول الشباب لتقبل ما هو أبعد.
“رسائل رع” وقانون الواحد
وعندما يصل المتابع إلى ذروة الانجذاب، يتم تقديمه لـ “قانون الواحد”، وهنا تكمن المفارقة الكبرى التي يجهلها آلاف المتابعين، هذا الفكر ليس مصرياً أصيلاً، بل هو منتج أمريكي خالص من ثمانينيات القرن الماضي!.
فقد بدأت الحكاية عام 1981 في ولاية كنتاكي الأمريكية، عندما قامت مجموعة من الهواة والمهتمين بالظواهر الخارقة (تضم دون إلكينز، وكارلا روكرت، وجيم مكارتي) بجلسات ما يسمى “التخاطر الروحي والوساطة”.
وزعمت “كارلا روكرت” أنها دخلت في حالة غيبوبة، وأن كائنا من الفضاء الخارجي أو من بعد أعلى يدعى “رع”، بدأ يتحدث عبر حنجرتها!، هذه الجلسات أُفرغت في كتب تعرف باسم “The Ra Material”.
ووفقاً لهذه الخرافة الأمريكية، فإن “رع” ليس إلها مصريا كما كان يسمى في كتب التاريخ بأنه إله الشمس، بل هو “وعي فضائي جماعي” عاش على كوكب الزهرة قبل ملايين السنين.
وهذا الكيان الذي يدعى “رع” زار مصر القديمة وقدم علوم الوعي وبنى الأهرامات عبر “قوة العقل وتوجيه الذرات”، إذا، المفارقة المضحكة المبكية هنا، أن هؤلاء المروجين الذين يرفعون شعار “القومية المصرية” ورفض الأفكار المستوردة، يقومون حرفياً باستيراد “خرافة أمريكية معاصرة” نسجت في ثمانينات القرن العشرين، ويبيعونها للشباب المصري على أنها “أسرار الأجداد الفراعنة”، مع أنها للأسف تلغي الاعجاز الحضاري للأجداد!.
إن الترويج لقانون الواحد ورسائل رع تحت غطاء الهوية يحمل مخاطر جسيمة ، فعلى المستوى العقائدي والديني، هذا الفكر يمثل النواة الصلبة لحركة “العصر الجديد” (New Age)، وهي حركة لا تدعو للإلحاد المادي الجاف، بل لـ “الروحانية اللادينية”.
ويقوم قانون الواحد على فكرة “وحدة الوجود الكونية”، أي أن الكون والخالق والمخلوق شيء واحد (الحلول والاتحاد).
وهذا الفكر يلغي بالكلية أركان الأديان السماوية (الإسلام والمسيحية): فلا وجود لخالق بائن من خلقه، ولا وجود للأنبياء والرسل (لأن الوعي متاح للجميع)، ولا وجود للحساب والجنة والنار بمعناها الشرعي، بل هي أبعاد وتناسخ أرواح. إنه ذوبان كامل للهوية العقائدية تحت مسمى الوعي.
اما على المستوى العلمي والعقلي، فإنه تحويل التاريخ المصري العظيم -الذي بناه الأجداد بعرقهم، وهندستهم، وعلومهم الرياضية والمعمارية المثبتة في البرديات- إلى مجرد “هبات من كائنات فضائية نورانية” هو إهانة حقيقية للحضارة المصرية.
وتستبدل هذه الافكار الأمريكية التي قد يكون وراءها أهداف ، العلم الحقيقي بالدجل والخرافة، ويحول الشاب من عنصر منتج ومفكر إلى شخص غارق في أوهام “الذبذبات، وتطهير الشاكرات، وانتظار الصعود للبعد الخامس”.
الوعي بالهوية لا يعني ابتلاع الخرافة
إن الدفاع عن الهوية المصرية والاعتزاز بالحضارة الفرعونية أمر محمود ومطلوب، ولكن يجب أن يستند إلى علم الآثار الحقيقي والقراءة التاريخية الرصينة، وليس إلى شطحات الميتافيزيقا الغربية المستوردة.
على القنوات الفضائية التي تنفق عليها الدولة مليارات الجنيهات دون طائل، أن تعمل على توعية الشباب بأن بعض صناع المحتوى -سواء بعلم أو بجهل، أو بحثاً عن المشاهدات والأرباح من دورات الطاقة الزائفة- يقودونهم في طريق مظلم يبدأ بـ “تحيا مصر” وينتهي بـ “آمنت بكائن الزهرة الفضائي”. الوعي الحقيقي هو تفعيل العقل النقدي، والتمييز بين حب الوطن وبين الانجراف وراء خرافات تهدم الدين والعقل معاً.
شريف حمادة
كاتب وصحفي مصري


