ليس دفاعا عن “أحمد موسى والديهي” .. قراءة في ثقافة الكراهية والمسئولية الإعلامية!!

لم أسع يوما إلى التعرف على هذين الإعلاميين، ولم يجمعني بهما عمل مشترك، في كل مرة كان هناك وسيط حاول تقريب المسافة بيني وبين أحدهما، مؤكدا لي في بداية مشواره أن علاقاته قوية ومؤثرة، تحدثت مع كل منهما مرة أو مرتين، وشعرت في الحالتين بعدم ارتياح، وإن كان لسببين مختلفين تمامًا.
الأول قلت لصاحب الوساطة إنني سكنت يوما مع أحد زملائه، وعلمت منه الكثير عن طبيعته وعن خدماته “الجليلة” لبعض الجهات ذات السلطة،و لم أكن، بصراحة، أتخيل أنه سيصل يوما إلى هذا القدر من الشهرة، رغم أنه لا يمتلك كل مواهب الإعلامي المؤثر الحقيقي.
أما الثاني، فلم تعجبني آراؤه، وتحديدا بعد تركه العمل في القناة التركيه وتناقضه المستمر مع نفسه، وسعيه الدؤوب للتقرب من الجماعة التي حكمت مصر بعد ثورة يناير.
قلت وقتها لصديقي، وهو أحد أقارب هذا الإعلامي، إنني لا أرغب في لقائه حتى وإن كان صاحب مكانة في مهنتنا.
وبعد الإطاحة بتلك الجماعة، ظهر التناقض جليًا: بدأ يهاجمهم بشراسة، بعدما كان يحاول الوصول إلى قلوبهم ليركب الموجة الجديدة، منذ ذلك الحين، اتخذت موقفا مبدئيا منهما، وزاد يقيني بعدما أصبحا أصحاب برامج يومية، ورأيت كيف تجاهلا تماما قضايا المجتمع والأزمات التي يتجرع مرارتها المواطن المصري يومياً.
لقد واصلا الانحياز الفج للوصول إلى قلب السلطة، حتى تحولا مع الأسف إلى “أبواق حكومية”، ولم يتوقف الأمر عند هذا، بل نصّبا نفسيهما حراسا على الوطنية، يطاردون ويكيلون اتهامات التخوين والعمالة لكل زميل صحفي أو صاحب رأي يطالب بحل أزمات المواطن.
لكن ما آلمني بحق مؤخراً، وصدم مشاعري، هو تحول الخلاف إلى مستنقع من التطاول الشخصي الذي يطال أفراد العائلة، وتحديداً زوجتي هذين الإعلاميين؛ (أحمد موسى ونشأت الديهي)، صاحبي البرنامجين الشهيرين والمعروفين بالدفاع الأعمى عن الحكومة “ظالمة أو مظلومة”.
لقد تجاوز النقد كل الأعراف والتقاليد، وتحول إلى حملات سب وتلاسن وتنمر مقزز على شكل زوجتيهما وعمريهما.
وهو أمر مخز، فمن المؤكد أن الكثير من زوجاتنا وأمهاتنا سيمررن بنفس المراحل السنية الطبيعية مع تقدم العمر، وليس في ذلك ما يعيب إنساناً.
هذا المشهد المؤثر يفتح الباب للسؤال الأهم: كيف تحول التطاول إلى ظاهرة مجتمعية لافتة؟، وكيف تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحات للمحاكمات وتصفية الحسابات؟.
عند تحليل الأسباب الكامنة وراء هذا التحول في سلوكيات الفضاء الرقمي، يبرز عدد من العوامل المتداخلة:
الاستقطاب الحاد وتأثير الإعلام اليومي
فقد ساهم الإعلام الذي يدخل بيوتنا كل يوم في خلق حالة من الانقسام الفكري. حيث يتم أحياناً توظيف مفاهيم مثل “الوطنية” أو “الدفاع عن المبادئ” كأدوات لتبرير الهجوم الحاد على المخالفين في الرأي، مما يضعف لغة الحوار الموضوعي ويشرعن الإساءة.
المنتج الفني والدرامي
وبالطبع لا ينفصل الإعلام عن الفن؛ فقد ساهمت بعض الأعمال السينمائية والمسلسلات التلفزيونية في تعزيز هذه الثقافة بشكل غير مباشر. من خلال تقديم نماذج وشخصيات تعتمد “الردح”، والبلطجة اللفظية، والتطاول كأدوات لانتزاع الحقوق أو فرض الرأي، جرى تطبيع هذه السلوكيات مجتمعياً حتى تسللت من الشاشات إلى لغة الشارع اليومية وإلى الفضاء الافتراضي.
طبيعة منصات التواصل الاجتماعي
ولأن المنصات الاجتماعية تمنح هامشا واسعا من التخفي وراء حسابات وهمية أو مستعارة، مما يقلل من شعور الأفراد بالمسؤولية الأخلاقية والاجتماعية المباشرة، ويشجع على تجاوز الضوابط التقليدية للتعامل الإنساني.
غياب الثقافة النقدية البناءة
أما الظاهر والملفت للنظر هو هذا التراجع البين في التمييز بين نقد الأداء المهني أو السياسي للشخصيات العامة، وبين التعدي على حياتهم الشخصية وعائلاتهم، وللأسف وقع هذين الإعلاميين في هذا الجب ،وبالطبع هو خلط أدى إلى اتساع رقعة التجاوزات اللفظية.
ويتطلب التعامل مع هذه الظاهرة والحد من آثارها خطوات عملية مشتركة، الارتقاء بالخطاب الإعلامي والفني العام، حيث تقع على عاتق وسائل الإعلام وصنّاع السينما والدراما مسؤولية مشتركة لتقديم نماذج تحتذى في إدارة الخلاف، والابتعاد عن تكريس لغة العنف والتلاسن اللفظي، بهدف استعادة السلم الاجتماعي والقيم الأخلاقية الأصيلة.
ومن الضروري أيضا إدراج مفاهيم الاستخدام الآمن والأخلاقي للإنترنت في المناهج التعليمية والبرامج التثقيفية، لتعليم الأجيال الجديدة كيفية التعبير عن آرائهم دون إساءة للآخرين، مع تفعيل التشريعات الخاصة بمكافحة الجرائم الإلكترونية والقذف والسب عبر الإنترنت بشكل عادل ومنتظم، ليكون رادعاً قانونياً يحمي كرامة جميع الأفراد دون استثناء.
إن المفارقة هنا تكمن في أن الإعلاميين اللذين طالهما هذا الهجوم، كانا في كثير من الأحيان يعتمدان خطاباً هجومياً حاداً ضد خصومهما في الرأي، وكانا شريكين في صناعة وتغذية ثقافة السب والشماتة، ومع ذلك، ورغم الاختلاف الجذري مع أدائهما المهني، فإن المرء لا يملك إلا أن يشعر بالأسى لما آلت إليه مستويات الحوار في الفضاء الرقمي.
إنها ظاهرة سلبية عابرة للمواقف السياسية، وتستدعي مراجعة مجتمعية وفنية وإعلامية شاملة لاستعادة قيم الاحترام المتبادل وحماية الحياة الخاصة من التشويه.
شريف حمادة
كاتب وصحفي مصري




