مصيدة الموت الرقمية.. خوارزميات الهواتف الذكية تتحول من عرض المعلومات والاتصال إلى السيطرة على العقل البشري!!
خارطة طريق للحفاظ على الانسان بعد تزايد خطورة الذكاء الاصطناعي

مع بداية ثورة التكنولوجيا والمعلومات ، حذر الخبراء والمتخصصون من خطورة المعلومات التي قد تطرحها بعض الجهات او المنظمات أو الجماعات للتضليل، لكن مع التطور الهائل الذي نعيشه مع الهاتف الذكي لم يعد الأخطر ما يحتويه من معلومات، بل ما ينجح في انتزاعه من الإنسان دون أن يشعر: وقته، وتركيزه، وراحته النفسية.
ففي كل مرة يفتح فيها المستخدم أحد تطبيقات التواصل الاجتماعي، تبدأ خوارزميات الذكاء الاصطناعي في العمل بصمت، لتحليل اهتماماته، وقياس مدة توقفه أمام كل صورة أو مقطع فيديو، وتسجيل كل نقرة وتمرير وتعليق، بهدف واحد لا يتغير: إبقاؤه أطول فترة ممكنة أمام الشاشة.
ومع تزايد الحالات المرضية فلم يعد هذا الأمر مجرد انطباع شخصي، بل أصبح محل اهتمام علماء النفس والأعصاب وخبراء التكنولوجيا، الذين يحذرون من أن العالم دخل بالفعل عصر “اقتصاد الانتباه”، حيث أصبح انتباه الإنسان سلعة تُباع للمعلنين وتُدر مليارات الدولارات على شركات التكنولوجيا العملاقة.
صناعة الإدمان بالذكاء الاصطناعي
كشفت تقارير علمية أن المنصات الرقمية تعتمد على تقنيات مستوحاة من علم النفس السلوكي، أبرزها نظام “المكافأة المتغيرة”، وهو المبدأ نفسه الذي تقوم عليه آلات القمار.
عندما يبدأ المستخدم بالدخول على المنصة لا يعرف ماذا سيظهر له بعد التمرير التالي؛ ربما فيديو ممتع، أو خبر صادم، أو منشور مضحك. هذا الترقب يدفع الدماغ إلى إفراز الدوبامين، وهو الناقل العصبي المرتبط بالشعور بالمكافأة، فيتولد دافع للاستمرار في التصفح.
كما تعتمد التطبيقات على خاصية “التمرير اللانهائي”، التي ألغت مفهوم نهاية الصفحة، فلم يعد الدماغ يتلقى إشارة طبيعية للتوقف، الأمر الذي يجعل دقائق الاستخدام تتحول بسهولة إلى ساعات.
هارفارد تحذر من الإفراط في استخدام الشاشة
أما المحتوى السلبي أو المثير للخوف، فيحظى غالباً بأولوية في الانتشار، لأن الدراسات تشير إلى أن الإنسان يميل بطبيعته إلى التفاعل مع الأخبار المثيرة للقلق أكثر من الأخبار العادية، وهو ما يعرف بظاهرة “التمرير المظلم”.
أرقام تكشف حجم الظاهرة
وتشير التقارير إلى أن المستخدم العادي يقضي ما بين 4 و7 ساعات يومياً أمام شاشة الهاتف، بينما يتجاوز بعض المستخدمين هذا المعدل بكثير.
وأظهرت الدراسات العلمية، أن الأشخاص قد يتفقدون هواتفهم عشرات أو حتى مئات المرات يومياً، وغالباً دون سبب حقيقي، وهو سلوك أصبح تلقائياً لدى كثيرين.
وتشير أبحاث أجرتها مراكز بحثية في علم الأعصاب، إلى أن كثرة المقاطعات الناتجة عن الإشعارات والتنقل المستمر بين التطبيقات تقلل من القدرة على التركيز العميق، وتؤثر في الإنتاجية وجودة التعلم واتخاذ القرار.
التأثير النفسي… للاستخدام المفرط للهاتف
يحذر مختصون من أن الاستخدام المفرط للهواتف لا يؤدي فقط إلى إهدار الوقت، بل قد يرتبط بزيادة مستويات القلق والتوتر واضطرابات النوم، خاصة لدى فئات الشباب والمراهقين.
ومن أبرز المؤشرات التي تستدعي الانتباه:
الشعور باهتزاز الهاتف رغم عدم وصول أي إشعار.
فقدان القدرة على التركيز لفترات قصيرة دون العودة للهاتف.
الإحساس بعدم الرضا عن الحياة نتيجة المقارنة المستمرة بما يعرضه الآخرون على منصات التواصل.
اضطرابات النوم بسبب استخدام الهاتف قبل الخلود إلى الفراش.
الشعور بالندم بعد ساعات طويلة من التصفح دون إنجاز حقيقي.
خطورة عدم التوقف
ويرى خبراء السلوك الرقمي، أن المشكلة لا تكمن في ضعف إرادة المستخدم، وإنما في أن التطبيقات صُممت خصيصاً لتستغل نقاط الضعف في الدماغ البشري.
وأكدت التقارير أن شركات التكنولوجيا تستثمر مليارات الدولارات سنوياً في تطوير خوارزميات أكثر قدرة على جذب الانتباه، لأن زيادة زمن الاستخدام تعني زيادة العائدات الإعلانية، وبالتالي تحقيق أرباح أكبر.
طريق العودة للسيطرة على العقل
ويدعو المختصون إلى استخدام التكنولوجيا، بوعي من خلال خطوات بسيطة لكنها فعالة، منها:
تحويل شاشة الهاتف إلى اللونين الأبيض والأسود لتقليل جاذبية التطبيقات.
إيقاف الإشعارات غير الضرورية.
منع استخدام الهاتف داخل غرفة النوم.
تخصيص ساعات يومية خالية من الأجهزة الرقمية.
استبدال وقت التصفح بأنشطة مثل القراءة أو الرياضة أو التواصل الأسري.
معركة الوجود
والغريب أن خبراء التقنية يروا، أن المنافسة في المستقبل لن تكون على امتلاك أسرع هاتف أو أفضل تطبيق، بل على القدرة على حماية العقل البشري من الاستنزاف المستمر.
فكل دقيقة يقضيها الإنسان في التركيز والإبداع والتواصل الحقيقي تمثل خسارة لمنصات تعتمد أرباحها على بقائه أمام الشاشة، ولهذا تستمر الخوارزميات في تطوير وسائل أكثر ذكاءً لجذب انتباهه.
وشدد الخبراء على تكاتف الدول والمجتمعات الانسانية ومساعدة الأسر على حماية الإنسان ليظل سيد التكنولوجيا التي ابتكرها، أم يتحول تدريجياً إلى مجرد مدمن تدار اهتماماته وقراراته بواسطة خوارزميات لا تنام؟.
شريف حمادة
كاتب وصحفي مصري






