أزمة “سبتة 2026”.. انفجار هجرة عفوي أم ورقة ضغط جيوسياسية مُدارة؟ وسر عودة الآلاف الى المغرب طواعية

لم تكن المشاهد الهائلة التي شهدتها جزيرة سبتة الخاضعة للسيادة الإسبانية في أواخر يوليو 2026 مجرد موجة عبور جديدة، بل تحولت في غضون أيام قليلة إلى واحدة من أعقد الأزمات الجيوسياسية على حدود أوروبا الجنوبية.
اندفع عشرات الآلاف من الأراضي المغربية في تدفق خاطف، أفضى إلى إعادة نحو 69,500 شخص إلى المغرب، فيما بقي آلاف آخرون—بينهم مئات القاصرين—وسط تسجيل عشرات الوفيات، مما طرح تساؤلات حادة حول مسبقات الحدث وتوقيته.
الشرارة القانونية وتأثير الشائعات
تعود جذور التحول إلى الحكم الصادر عن المحكمة العليا الإسبانية في 8 يوليو، والذي أقرّ عدم إمكانية تطبيق “الإعادة الفورية” على المهاجرين الذين يتم اعتراضهم في البحر بنفس آلية المقتادين من السياج الحدودي، مقدماً ضمانات إجرائية أكبر للوافدين بحراً.

ورغم أن الحكم لم يشرع الفتح الكامل للحدود، إلا أنه غير معادلة “حسابات المخاطرة” لدى الراغبين في العبور، وسرعان ما استغلت شبكات التهريب ومستثمرو الشائعات عبر منصات التواصل هذا الهامش، لتتوسع التفسيرات الخاطئة بين أوساط الشباب الراغبين في الهجرة، وتحول البيئة الاجتماعية المحتقنة إلى محرك لدفعات جماعية نحو البحر.
مصادفة التوقيت: “عيد العرش” تحت المجهر
تكمن النقطة الأكثر إثارة للجدل في تزامن هذا التدفق القياسي مع احتفالات المغرب بالذكرى السابعة والعشرين لتولي الملك محمد السادس العرش (30 يوليو). وأثارت هذه المصادفة علامات استفهام سياسية وإعلامية؛ إذ كيف لطوفان هجرة بهذا الحجم أن يتزامن مع أكثر المناسبات الوطنية رمزية في البلاد؟.
وفي الوقت الذي قدمت فيه الرباط صورتها الرسمية كمركز للتنمية والاستقرار، كانت وسائل الإعلام العالمية تنقل صور آلاف المغاربة وهم يعبرون الحدود.
وبينما نَفَت السلطات المغربية بشكل قاطع تقليل الرقابة الأمنية—مؤكدة نشر 24 ألف عنصر أمني وإحباط أكثر من 150 ألف محاولة عبور خلال العامين الماضيين—ألمحت تقارير استخباراتية واتهامات من سلطات سبتة إلى احتمال وجود “تساهل أمني مؤقت” سمح بمرور التدفق دون التخطيط له مسبقاً.

خريطة المستفيدين: من مدريد إلى الرباط
بعيداً عن فرضية “المؤامرة المسبقة”، برز سيناريو استغلال الأزمة بعد وقوعها من عدة أطراف:
اليمين الإسباني: وجد في صور سبتة مادة دسمة لمهاجمة حكومة بيدرو سانشيز والتشكيك في نجاعة سياساتها الحدودية والأوروبية.
المغرب: أعاد الحدث تذكير مدريد وبروكسل بالدور المحوري للرباط كشريك أمني لا غنى عنه للسيطرة على معابر الهجرة، ما يمنحها ورقة تفاوضية قوية، وإن كانت تحفها مخاطر اتساع شقوق الثقة بين الجانبين.
الجزائر: تظهر في خلفية المشهد كمستفيد سياسي محتمل من تصاعد التوتر بين الجارين، دون وجود أي دلائل ميدانية تثبت تورطها في تحريك الموجة.
سيناريو “المؤامرة الخارجية” في الميزان
وفي ظل حالة الجفاء الدبلوماسي والتوتر الغير مسبوق بين مدريد وكل من واشنطن وتل أبيب—على خلفية المواقف الإسبانية الصارمة من حرب غزة والاعتراف بالدولة الفلسطينية—ذهب بعض المحللين ورواد منصات التواصل الاجتماعي إلى الترويج لفرضية وجود “مؤامرة أمريكية–إسرائيلية” تستهدف إحراج حكومة بيدرو سانشيز وزعزعة استقرار حدودها الجنوبية.
ورغم جاذبية هذا الطرح في الأوساط السياسية والإعلامية باعتباره تفسيراً للانتقام الجيوسياسي، إلا أن القراءة الميدانية يستبعدان هذه الفرضية كسبب مباشر للانفجار؛ لغياب أي دليل مادي أو تقرير استخباراتي ملموس يثبت وجود إدارة خارجية لوجستية أو تمويلية للعبور الجماعي.
ويؤكد الخبراء على أن استغلال الخصوم الدوليين لإسبانيا للأزمة بعد وقوعها يختلف جذرياً عن “صناعتها ميدانياً”، حيث تبقى ثغرات التحرك محصورة في التفاعلات الاجتماعية المحلية وحسابات الضغط المباشرة بين مدريد والرباط.

لغز العودة الجماعية وتساؤلات التحقيق
إن عودة نحو 69,500 شخص إلى الأراضي المغربية تطرح علامة استفهام جوهرية: هل كان الهدف الاستقرار الدائم، أم أن التدفق أدى غرضه بصنع “صدمة سياسية وإعلامية قصيرة الأمد”؟.
تبقى فرضية الاصطدام بالحقيقة الميدانية واستيعاب زيف الشائعات هي الأقرب واقعياً، لكن المعطيات تشير إلى أن تقاطع العامل القانوني الإسباني مع الضغط الاجتماعي وسوء التقدير أو التساهل الأمني اللحظي، أنتج أزمة عفوية سارعت الأطراف السياسية إلى استثمارها.
ولا يزال الوصول إلى الإجابة القاطعة مرهوناً بالتحقيق في تسلسل الأوامر الأمنية التي سبقت ساعات العبور، ومدى علم السلطات المسبق بتشكل هذه التجمعات قبل انفجارها على أطراف سبتة.
تحليل شريف حمادة:
كاتب وصحفي مصري






