مقالات

أزمة الديون وسياسة بيع الأصول في مصر.. مقايضة الحاضر بالمستقبل

تواجه الدولة المصرية مأزقا اقتصاديا هو الأعقد في تاريخها الحديث، حيث باتت مطالبة بسداد التزامات خارجية ضخمة خلال هذا العام، تقدر بنحو 62.8 مليار دولار (تشمل أقساط قروض وفوائد وودائع).

وتوضح بيانات البنك الدولي، أن مصر مطالبة بسداد 62.8 مليار دولار كالتزامات خارجية خلال الفترة الممتدة من أبريل 2026 حتى مارس 2027، وتتوزع بين 55.8 مليار دولار أقساط قروض (تشمل حوالي 21.1 مليار دولار ودائع لـدول الخليج)، وحوالي 7 مليارات دولار فوائد.

وبالطبع، تثير هذه الأرقام الضخمة تساؤلات حتمية حول كيفية تعايش الدولة والمواطن مع هذا الوضع الاقتصادي الصعب، وما إذا كانت الحلول تقتصر على “الاستدانة مجدداً” لسداد الديون القديمة.

كيف تعيش الدولة وتدير هذا العبء المالي؟
الواقع الذي نقرأه من خلال ما حدث خلال السنوات الماضية، يكشف لجوء الحكومة المصرية في عهد الدكتور مصطفي مدبولي وحتى من سبقه، إلى أدوات وآليات مالية معقدة تتجاوز فكرة “الاقتراض البسيط” لضمان عدم التخلف عن السداد والحفاظ على استقرارها المالي.

الأليه الأسهل هي تدوير الديون وتجديد الودائع الخليجية، الـ 21.1 مليار دولار المذكورة كودائع (ومعظمها خليجية) لا تخرج فعلياً من البنك المركزي؛ بل يتم الاتفاق بانتظام على تجديد آجالها لسنوات إضافية أو تحويلها إلى استثمارات مباشرة في أصول الدولة (مثلما حدث في صفقة رأس الحكمة وتطوير المناطق الساحلية).

إطالة آجال الدين
ووفقاً لتقارير صندوق النقد الدولي، تسعى مصر لتحويل الديون قصيرة الأجل المنهكة إلى ديون طويلة الأجل، هذا الإجراء وحده يخفض الاحتياجات التمويلية العاجلة بنسبة تصل لـ 2.5% من الناتج المحلي.

الاعتماد على التمويل المحلي التنافسي
من جانبها، تبنت وزارة المالية استراتيجية ترتكز على تدبير من 89% إلى 93% من الاحتياجات التمويلية من السوق المحلية (عبر أذون وسندات الخزانة بالجنيه)، مع حصر الاقتراض الخارجي في حدود 6% إلى 9% فقط لتقليل الضغط على العملة الأجنبية.

القروض التنموية الميسرة
عند اللجوء للاستدانة الخارجية، يتم التركيز بنسبة تزيد عن 66% على القروض التنموية الميسرة ذات الفوائد المنخفضة وفترات السماح الطويلة، بدلاً من السندات التجارية الدولية عالية التكلفة.نمو الاحتياطي والتدفقات النقدية: ارتفع الاحتياطي النقدي الأجنبي ليتجاوز 56 مليار دولار، مدعوماً بتحويلات المصريين بالخارج الذي أصبح أهم مورد للعملة الأجنبية مع تحسن طفيف في عائدات السياحة، ومبيعات الأصول (برنامج الطروحات)، وصادرات القطاعات غير البترولية.

وفي محاولة لتفادي التخلف عن السداد وسد الفجوة التمويلية العاجلة، انتهجت الحكومة سياسة “الطروحات” والتوسع في إبرام صفقات استثمارية كبرى تضمنت بيع حصص في شركات حكومية ناجحة، ومنح حقوق تطوير ومساحات شاسعة من الأراضي الاستراتيجية والسياحية لاستثمارات خليجية، مثل مشروع “رأس الحكمة” للإمارات والخطط المرتقبة في البحر الأحمر وسيناء للسعودية.

ورغم أن هذه الصفقات ضخت سيولة دولارية أنقذت الاقتصاد من خطر الإفلاس الفوري، إلا أن هذا المسار يحمل في طياته تداعيات سلبية عميقة ومخاطر مؤجلة على المدى البعيد، سواء على بنية الاقتصاد الوطني أو على حياة المواطن المصري ومفهوم السيادة الاقتصادية.

الأبعاد السلبية والتداعيات الاستراتيجية لبيع الأصول والأراضي
تنطوي سياسة بيع الأصول والشركات الرابحة والتنازل عن تطوير الأراضي لصالح قوى خارجية على عده مخاطر هيكلية:خسارة عوائد مالية مستدامة: إن بيع حصص حاكمة أو مؤثرة في شركات وطنية ناجحة (مثل شركات الأسمدة، الحاويات، والفنادق التاريخية) يمثل خسارة لمصادر دخل دورية ومستقرة للموازنة العامة. هذه الأرباح كان الأولى الحفاظ عليها لتمويل قطاعات حيوية كالصحة والتعليم بدلاً من توجيهها مستقبلاً كمكاسب للمستثمرين الأجانب.

نزيف العملة الأجنبية المؤجل (تحويل الأرباح)
الغريب أن الحل الذي يبدو منقذا للحكومة هو ضخ دولارات عاجلة، إلا قد يتحول غداً إلى ضغط مستمر على الجنيه المصري؛ حيث يحق للمستثمر والشركات الأجنبية تحويل أرباحها السنوية بالعملة الصعبة إلى الخارج، مما يجدد أزمة نقص الدولار على المدى الطويل.
كما إن سيطرة دول أو كيانات استثمارية معينة على مساحات جغرافية شاسعة في مناطق استراتيجية كالحزام الساحلي الشمالي أو البحر الأحمر وشبه جزيرة سيناء، يخلق واقعاً جديداً يمنح هذه القوى أوراق ضغط غير مباشرة على القرار الاقتصادي والسياسي، حتى وإن ظلت الأراضي خاضعة رسمياً للسيادة القانونية المصرية.

حرمان الأجيال القادمة والتنمية الوطنية
وينظر إلى هذه الأراضي والمشروعات باعتبارها ثروات قومية كان يجب الاحتفاظ بها ضمن خطط تنموية مستقبلية تنفذها الدولة أو القطاع الخاص المحلي، بدلاً من استهلاكها كحلول مؤقتة لسداد ديون استهلاكية أو مشاريع غير إنتاجية.

كما يؤدي التركيز على جذب كيانات استثمارية عملاقة مدعومة من حكومات خليجية إلى تهميش رجال الأعمال والمستثمرين المحليين، لعدم قدرتهم على منافسة الصناديق السيادية في اقتناص هذه الفرص الكبرى.

المواطن يتحمل النتيجة
ورغم نجاح الحكومة في تجنب سيناريو التخلف عن السداد (الامتثال الصارم للجدول الزمني)، إلا أن كلفة هذا الصمود يتحملها الاقتصاد والمواطن بشكل مباشر:امتصاص السيولة عبر فوائد الديون، وتقليص ميزانيات الصحة والتعليم، إضافة إلى تراجع الدعم وارتفاع الأسعار.

من المعروف، أن خدمة الدين (الفوائد والأقساط) تلتهم النسبة الأكبر من إيرادات الموازنة، مما يقلص المساحة المالية المتاحة للإنفاق التنموي على قطاعات حيوية كالتعليم والصحة والبنية التحتية الاجتماعية.

ولتدبير العملة الصعبة والوفاء بشروط المؤسسات الدولية، تحركت الدولة نحو مرونة سعر الصرف (التعويم)، ورفعت تدريجياً الدعم عن الوقود والكهرباء والخدمات، مما نتج عنه قفزات متتالية في أسعار السلع الأساسية أثقلت كاهل المواطن من الطبقتين المتوسطة ومحدودة الدخل.

عبء الضرائب الاستهلاكية
تظهر التقارير الاقتصادية لـ المبادرة المصرية للحقوق الشخصية أن حصة كبيرة من الإيرادات الضريبية للموازنة باتت تعتمد على ضرائب القيمة المضافة والمرتبات، وهي ضرائب يتحملها المواطن البسيط بشكل مباشر مقارنة بضرائب أرباح الشركات.

وعلى الرغم من ان البيانات الحكومية الرسمية لعام 2026 تشير إلى أن الاقتصاد تجاوز ذروة الاختناق، الا أنها تعترف بانه بدأ يدخل مرحلة جدولة طويلة الأمد، وبالتالي لم تقدم حلا اقتصاديا لزيادة الانتاج والتصنيع والتصدير بل تأجيل الديون وطبعا متبوعا ذلك بخدمة وفوائد ديون.

انخفاض الدين لصندوق النقد
صرح د. محمد معيط بأن مديونية مصر للصندوق تراجعت إلى 9.3 مليار دولار بنهاية يونيو 2026 بعد أن سددت مصر نحو 16 مليار دولار من أصل التسهيلات.

وقد سجلت الموازنة فائضاً أولياً يلامس 5% (أي أن إيرادات الدولة تفوق مصروفاتها قبل احتساب فوائد الديون)، وهو مؤشر تعتمد عليه الدولة لإثبات قدرتها الذاتية على التعافي.
وتستهدف الدولة النزول بنسبة الدين العام إلى ما بين 71% و73% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول العام المالي 2026/2027 مقارنة بمستويات تجاوزت 90% في السنوات السابقة.

وتؤكد كل النظريات الاقتصادية، أن العيش في ظل اقتصاد يعتمد على تدوير الديون وبيع الأصول يمثل استراتيجية شديدة الخطورة تُعرف بـ “مسكنات الألم” وليس العلاج الجذري.

إذا لم تتحول الأموال الناتجة عن هذه الصفقات فوراً وبشكل صارم نحو بناء قاعدة صناعية وتصديرية وزراعية حقيقية تعيد للمواطن والشركات الوطنية قدرتها الإنتاجية، فإن الدولة ستجد نفسها مستقبلاً بلا أصول وبلا أراضٍ، ومع ديون جديدة تتطلب جولة أخرى من التنازلات.

alarabicpost.com

موقع إخباري عربي دولي.. يتناول آخر الأخبار السياسية والاقتصادية والثقافية والرياضية، إضافة إلى التحقيقات وقضايا الرأي. ويتابع التطورات على مدار 24

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى