مدونات عرب بوست

التحليل الرياضي في القنوات التلفزيونية: مهمة أهل الاختصاص من أجل نقدٍ بنّاء

يُعدّ التحليل الرياضي في القنوات التلفزيونية أحد أهم عناصر الإعلام الرياضي الحديث، إذ يساهم في تقديم قراءة فنية وتكتيكية للمباريات، وتقييم أداء اللاعبين والفرق، وشرح الجوانب الفنية والتحكيمية، بما يساعد المشاهد على فهم مجريات المنافسات بصورة أعمق وأكثر موضوعية.

ولا ينبغي أن يقتصر التحليل الرياضي على إبداء الآراء والانطباعات الشخصية، بل يفترض أن يستند إلى المعرفة العلمية والخبرة الميدانية والقدرة على قراءة التفاصيل الفنية والتكتيكية، مع احترام أخلاقيات المهنة والمسؤولية الإعلامية.

عناصر الاستوديو التحليلي
1. الجانب التكتيكي والفني:

ويتضمن دراسة خطط اللعب، وتحركات اللاعبين، وأساليب بناء الهجمات، والتنظيم الدفاعي، والضغط، والتحولات بين الدفاع والهجوم، إضافة إلى تقييم أداء اللاعبين والمدربين.

2. الاستعانة بالتقنيات الحديثة:
أصبح التحليل الرياضي يعتمد بصورة متزايدة على التقنيات المرئية والرقمية، مثل اللوحات الإلكترونية، والرسوم التوضيحية، والرسوم المتحركة، والبيانات والإحصاءات، وتحليل تحركات اللاعبين ومناطق تمركزهم داخل الملعب.

3. إدارة الحوار:
يقوم المنشّط أو مقدّم الاستوديو بدور أساسي في تنظيم النقاش، وتوجيه الأسئلة، وإتاحة الفرصة للضيوف للتعبير عن آرائهم، مع الحفاظ على الهدوء والموضوعية وتجنب التعصب أو التجريح أو الخروج عن مضمون البرنامج.

تحديات التحليل الرياضي التلفزيوني
الاحترافية في مواجهة الشعبوية:
تلجأ بعض البرامج أحياناً إلى الإثارة والشحنة العاطفية والمبالغة في طرح الآراء، بدلاً من تقديم قراءة فنية هادئة تستند إلى المعطيات والأرقام.

التكوين والكفاءة:
تختلف مستويات المحللين من شخص إلى آخر؛ فهناك من يمتلك تكويناً علمياً وخبرة ميدانية في التدريب واللعب والتحليل، بينما يعتمد البعض الآخر بصورة أساسية على الشعبية الجماهيرية أو الشهرة السابقة.

الالتزام بالمعايير المهنية:
يتطلب العمل الإعلامي الرياضي احترام القوانين والأنظمة وأخلاقيات المهنة، والابتعاد عن التجريح والإساءة والتشهير، مع ضرورة التزام القنوات والمؤسسات الإعلامية بمسؤوليتها تجاه الجمهور والرياضة.

النقد من أجل النقد… ظاهرة سلبية

يُعدّ النقد من أجل النقد في التحليل الرياضي ممارسة سلبية عندما يتحول إلى وسيلة لتدمير الأشخاص أو التقليل من شأنهم وإثارة الجدل، بدلاً من البحث عن أسباب الأخطاء وتقديم الحلول.

فالنقد المهني لا يهدف إلى الإساءة إلى اللاعب أو المدرب أو المسؤول، وإنما يسعى إلى كشف مكامن الخلل واقتراح البدائل التي يمكن أن تساهم في تحسين الأداء وتطوير المنظومة الرياضية.

ومن هنا، فإن النقد الذي يفتقر إلى الموضوعية والدليل والمعرفة الفنية قد يتحول إلى مجرد وسيلة للإثارة وجذب الانتباه، على حساب مصلحة الرياضة واحترام المشاهد.

النقد البنّاء
يعتمد على العلم والمعرفة والخبرة الميدانية.

يشرح الأخطاء ويبحث عن أسبابها.
يقدم حلولاً وبدائل واقعية قابلة للتطبيق.
يهدف إلى تحسين الأداء وتطوير منظومة العمل.
يحترم عقل المشاهد ويثري ثقافته الرياضية.
يفرّق بين نقد الأداء وانتقاد الأشخاص.

النقد السلبي أو العبثي

يتصيد الأخطاء ويبحث عن مواطن الجدل.
يركز على الأشخاص بدلاً من تحليل الأفكار والأداء.
يعتمد على الانطباعات الشخصية أكثر من المعطيات.
يخلق حالة من الإحباط والتشويش لدى الجمهور.
يسعى أحياناً إلى تحقيق الشهرة وركوب موجة «الترند».
قد يساهم في نشر التعصب والانقسام بين الجماهير.

أسباب انتشار النقد العبثي
التسويق والمصالح:
قد تتحول بعض المنابر الإعلامية إلى وسيلة لتحقيق مكاسب شخصية أو لخدمة مصالح أطراف معينة.

ضعف الكفاءة:
يؤدي غياب المعايير الواضحة لاختيار المحللين إلى بروز أسماء تفتقر إلى الخبرة الفنية أو القدرة الحقيقية على التحليل.

ثقافة الإثارة:
تسعى بعض القنوات والمنصات إلى رفع نسب المشاهدة من خلال الجدل والمواقف المثيرة، بدلاً من تقديم محتوى رياضي متخصص وهادف.

الخلط بين الرأي والخبرة:
من حق كل شخص أن يعبّر عن رأيه، لكن الرأي الشخصي لا ينبغي أن يقدم دائماً على أنه تحليل فني أو حكم علمي.

كيف نرتقي بالتحليل الرياضي؟
يمكن الارتقاء بمستوى التحليل الرياضي من خلال مجموعة من الإجراءات، أهمها:
الالتزام بالمعايير المهنية والأخلاقية في العمل الإعلامي الرياضي.
اختيار المحللين وفق الكفاءة والتكوين والخبرة، وليس وفق الشهرة فقط.
الاعتماد على الأرقام والإحصاءات والمعطيات الفنية والتكتيكية.
الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة في عرض وتحليل أداء اللاعبين والفرق.
الفصل بين نقد الأداء والتجريح في الأشخاص.
تدريب المنشطين والمحللين على مهارات التواصل وإدارة الحوار.
تشجيع الحوار الهادئ وتعدد وجهات النظر.
تعزيز ثقافة النقد البنّاء الذي يقدم الحلول ولا يكتفي بتحديد الأخطاء.

التحليل الرياضي مسؤولية قبل أن يكون مهنة
إن التحليل الرياضي التلفزيوني ليس مجرد مساحة لإبداء الآراء أو استعراض المواقف، وإنما هو مسؤولية إعلامية ومعرفية تتطلب من صاحبها امتلاك الحد الأدنى من التكوين والخبرة والقدرة على قراءة الأحداث الرياضية بصورة موضوعية.

كما أن وجود لاعب أو مدرب سابق في الاستوديو لا يعني بالضرورة امتلاكه القدرة على التحليل الإعلامي، تماماً كما أن امتلاك المعلومة النظرية وحده لا يكفي من دون فهم عملي للعبة. لذلك، فإن التحليل الناجح يحتاج إلى الجمع بين المعرفة، والخبرة، والموضوعية، والقدرة على التواصل.

وفي النهاية، فإن الرياضة تحتاج إلى النقد، ولكنها تحتاج أكثر إلى النقد البنّاء الذي يساهم في تصحيح الأخطاء وتطوير الأداء، لا إلى النقد الذي يبحث عن الإثارة وتصفية الحسابات.

فالمحلل الرياضي الحقيقي ليس من يرفع صوته أكثر، ولا من يهاجم الأشخاص أكثر، وإنما هو من يستطيع أن يفسر ما حدث، ويحدد أسباب حدوث ذلك.
بقلم المستشار نعمان عبد الغني
namanea@gmail.com

alarabicpost.com

موقع إخباري عربي دولي.. يتناول آخر الأخبار السياسية والاقتصادية والثقافية والرياضية، إضافة إلى التحقيقات وقضايا الرأي. ويتابع التطورات على مدار 24

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى