مدونات عرب بوست

الأبناء ليسوا خطة تقاعد متى تحوّل الإنجاب من مسؤولية تجاه طفل… إلى ضمان لمستقبل الوالدين؟

قد تكون أقسى الأنانية هي التي ترتدي ثوب التضحية.
ففي بعض البيئات، لا يُنظر إلى ما يقدمه الوالدان بوصفه واجبًا اختاراه يوم قررا الإنجاب، بل رصيدًا سيحين موعد استرداده. وهكذا يصبح الابن مستقبلًا مؤجلًا لوالديه، أكثر منه إنسانًا له مستقبل.

الطفل لم يختر أن يأتي إلى الحياة، ولذلك لا يولد مدينًا بثمن وجوده. الطعام والتعليم والعلاج ليست أقساطًا في قرض، والرعاية ليست استثمارًا ينتظر عائده.

لكن المشكلة تبدأ حين يقول أحد الوالدين: «عشت من أجلك»، بينما يخفي داخل العبارة شرطًا لم يُعلن: «وعليك الآن أن تعيش من أجلي». عندها تتحول التضحية إلى سلطة، والامتنان إلى التزام، والبر إلى خوف من تهمة العقوق.

ولم تكن هذه الفكرة لتترسخ بهذه القوة لو كان الأمان موزعًا على المجتمع. حين تضعف المعاشات، ويصبح المرض تهديدًا ماليًا، وتغيب الرعاية، تبحث الأسرة عن ضمانها داخل أبنائها، ثم يمنح الموروث الثقافي هذا الاحتياج لغة أخلاقية؛ فيتحول الابن إلى بديل عن معاش لم يكفِ ورعاية لم توجد.

تخيل شابًا في الخامسة والثلاثين، عُرضت عليه فرصة عمل كانت ستغيّر حياته.
لم يمنعه أبوه، لكنه قال: «اعمل اللي يريحك… وسيبنا لوحدنا».

بدت الجملة اختيارًا، لكنها أغلقت كل أبواب الاختيار.

رفض الشاب الفرصة. مرت السنوات، ولم يعد يتذكر اسم الشركة، لكنه ظل يتذكر الجملة. وبعد موت أبيه، جلس أمام كرسيه الفارغ يسأل نفسه: هل كان بقائي حبًا… أم خوفًا؟

فالخسارة ليست ما يدفعه الأبناء من مال، بل ما يُقتطع من أعمارهم بصمت؛ فرصة ضاعت، وحلم صُغّر، وحياة لم يعرف الإنسان إن كانت تشبهه… أم تشبه خوفه.

وليست مساندة الوالدين ظلمًا؛ فقد يفرض المرض أو الفقر شراكة نبيلة بين أفراد الأسرة.
يبدأ الظلم حين تتحول الحاجة إلى حق دائم في مستقبل الأبناء، وحين يصبح استقلالهم خيانة، واختيارهم لأنفسهم عقوقًا.

والأخطر أن الابن الذي دفع عمره قد يفرض الدائرة على أبنائه؛ خوفًا من أن يتركوه، أو عادةً لم يسأل عن أصلها، أو انتقامًا غير واعٍ من ألم لم يعرف كيف يواجهه. وهكذا لا تنتقل الفاتورة وحدها، بل ينتقل معها تعريف الحب: أن تبقى، أن تتنازل، وأن تعتبر خسارتك دليلًا على وفائك.

واليوم، ذلك الشاب أبٌ أيضًا. وحين تحدث ابنه عن السفر، سمع نفسه يقول جملة شبيهة، بالحنان نفسه والخوف القديم نفسه، دون أن يتذكر من أين ورثهما.
فالعائلة لا تورّث السلوك فقط، بل تورّث مبرراته أيضًا.

لا يُقاس نجاح الوالدين بأن يجدا من يعولهما، بل بأن يربّيا أبناءً قادرين على بناء حياة كاملة واختيار طريقهم دون خوف.

فأقسى ما قد يفعله الإنسان بابنه ليس أن يأخذ من ماله، بل أن يأخذ من عمره، ثم يقنعه أن العمر الذي ضاع كان الثمن الطبيعي للبر.

وكل جيل يعجز عن تمزيق الفاتورة، يكتبها من جديد باسم أبنائه.

وقد لا تنكسر السلسلة إلا حين يقرر أحدهم أن يترك لابنه ما حُرم منه: حق الرحيل دون ذنب.

فالحب الحقيقي لا يترك للابن فاتورة… بل يترك له بابًا مفتوحًا.
بقلم محمود حمدى

alarabicpost.com

موقع إخباري عربي دولي.. يتناول آخر الأخبار السياسية والاقتصادية والثقافية والرياضية، إضافة إلى التحقيقات وقضايا الرأي. ويتابع التطورات على مدار 24

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى