جامع “سليمان باشا الخادم” بالقلعة: هل نُسخت عمارته من “التريكونش” القبطي أم استوردت الفخامة العثمانية؟

عند أعلى ربوة بالقسم الشمالي من قلعة الجبل، يقف جامع “سليمان باشا الخادم” (المعروف بسارية الجبل) شاهداً على لحظة تحول فارقة في تاريخ مصر. فهذا الأثر، الذي شيّده الوالي العثماني سنة (935هـ / 1528م)، لم يكن مجرد دار للعبادة، بل كان أول مسجد يُقام في القاهرة عقب الخضوع للسيادة العثمانية.
وقد حمل الجامع وظيفة عسكرية محددة: صلاة فرقة “الإنكشارية” المرابطة في القلعة، والذين حُظر عليهم مغادرة معسكرهم لضمان عدم الاحتكاك بطائفة “العزب” المقيمة بالقسم الجنوبي.
لكن بعيداً عن أروقة السياسة والعسكر، يشتعل اليوم جدل معماري وأثري حول “هوية” هذا الجامع: هل يُمثل طرازاً عثمانياً خالصاً قادماً من الأناضول، أم أنه استعارة من طراز “التريكونش” القبطي المصري القديم؟.

الوالي الذي حمل اللقب الوظيفي
مؤسس هذا الصرح هو سليمان باشا الخادم (Hadim Süleyman Paşa)، والٍ عثماني من أصل يوناني حَكم مصر مرتين في عهد السلطان سليمان القانوني. ورغم ألقابه العسكرية النافذة ومكانته السياسية التي رفعتْه لاحقاً لمنصب “الصدارة العظمى”، فإن لقب “الخادم” (Hadim بالتركية) لم يكن مجرد نعت بالتواضع، بل كان رتبة وصفة رسمية تعني “الخصي”. وهي فئة كان يُعهد إليها بخدمة البلاط العثماني ودخول أجنحة الحريم والأميرات.
هندسة المكان: بين الحرم وبيت الصلاة
من الناحية التخطيطية، يمتد المسجد على مسقط أفقي مستطيل ينقسم إلى جزءين يفصلهما جدار به أبواب ونوافذ:
الصحن المكشوف (الحرم): وهو مساحة مكشوفة تحيط بها أربع ظلات مغطاة بقباب عثمانية صغيرة.
بيت الصلاة (الجزء المغطى):
وهو جوهر النزاع المعماري ومحور الدراسة الأثرية.
يتخذ بيت الصلاة تخطيطاً متعامداً يتكون من صحن صغير مغطى (درقاعة) منخفض الأرضية، تحيط به ثلاثة أواوين متعامدة، أعمقها إيوان القبلة الذي تتصدره حنية المحراب. ويُشكّل هذا التوزيع ما يُعرف معمارياً بـ “التخطيط المجنح” أو هيئة حرف (T) اللاتيني المقلوب؛ حيث تمثل “الدرقاعة” القلب، بينما تعمل الأواوين الجانبية كأجنحة، ويبرز إيوان القبلة إلى الخارج بجدار حر من ثلاث جهات.
أما على مستوى التغطيات، فتتوّج الدرقاعة قبة مركزية حافلة، بينما يُغطى كل إيوان من الأواوين الثلاثة بنصف قبة كبيرة.
بين الشائع العلمي و”فرضية التريكونش”
في الوقت الذي يجمع فيه كبار خبراء العمارة الإسلامية على أن هذا التخطيط يُمثل “طراز بورصة الثالث” (Third Bursa Type) — وهو طراز عثماني أصيل يُدخل القباب المركزية وأنصاف القباب، وتكتمل هويته بالمئذنة العثمانية ذات الرأس المخروطي المدبب (شكل القلم الرصاص) — برزت مؤخراً فرضية مثيرة للجدل.

تذهب هذه الفرضية الشفهية إلى أن جامع سليمان باشا يستند في أصله إلى طراز “التريكونش” (الكنائس ثلاثية الحنيات) المصري القبطي، بل ويدّعي أصحابها أن المعماريين العثمانيين اقتبسوا هذا المسقط من مصر وأعادوا تصديره تحت مسمى العمارة العثمانية!
ورغم أهمية نقد المسلمات العلمية وتفكيكها كشرط أساسي للإبداع الأكاديمي، إلا أن الشواهد الهندسية والتاريخية تضع هذه الفرضية في خانة “الافتراض الهاش” المستند إلى مجرد تشابه شكلي ظاهري في توزيع العناصر حول قبة مركزية.
فهل الصدفة الشكليّة تكفي لنزع الهوية العثمانية عن أول مساجد عهد الولاة في مصر؟ أم أن الدلائل الإنشائية تُثبت أصالة الطراز الأناضولي القادم من بورصة وإسطنبول؟
(المقال القادم يواصل التفكيك العلمي والموضوعي لهذه الإشكالية المعمارية… يُتبع)
بقلم الدكتور محمد شبانة
عالم الآثار الإسلامية والقبطية

