الجمعية الإسلامية الكندية”ماك” في مواجهة قوانين الكراهية والضرائب!!
البروفيسورة ميشيل جالانت:إن آلية التدقيق اعتمدت مبدأ الذنب بالتبعية وهو مبدأ غير قانوني

تواجه الجمعية الإسلامية الكندية (MAC) – وهي واحدة من أكبر المنظمات الإسلامية في كندا – أزمة سياسية وقانونية غير مسبوقة مع السلطات الفيدرالية.
وقد تصاعدت حدة التوتر عقب إلغاء تأشيرات دخول ومنع عدد من العلماء والضيوف الدوليين البارزين من دخول الأراضي الكندية، والذين كان من المقرر مشاركتهم في المؤتمر السنوي للمنظمة في تورونتو .
أثارت هذه الإجراءات موجة غضب عارمة داخل الجالية المسلمة في كندا، وسط اتهامات لوكالة خدمات الحدود الكندية (CBSA) بممارسة “الإسلاموفوبيا المؤسسية” والخضوع لضغوط جماعات ضغط سياسية .
تفاصيل الأزمة: احتجاز وتحقيقات مطولة عند الحدود..
وفقاً لبيانات رسمية صادرة عن منظمة “ماك”، نفذت وكالة خدمات الحدود الكندية (CBSA) حملة استهداف منسقة ضد الضيوف الدوليين المدعوين للمؤتمر .
وقد شملت الإجراءات إلغاءً مفاجئاً لتأشيرات الدخول وتصاريح السفر الإلكترونية(ETAS) دون سابق إنذار أو مبررات قانونية واضحة.
وكان من بين أبرز الممنوعين من الدخول الناشط البريطاني العراقي البارز أنس التكريتي، الرئيس السابق للرابطة الإسلامية في بريطانيا، والذي تم احتجازه واستجوابه في مطار تورونتو بيرسون الدولي لمدة 11 ساعة كاملة قبل إعادته قسراً إلى لندن .
وأشارت الجمعية في بيان صادر عنها، إلى أن بعض العلماء تعرضوا لظروف احتجاز “غير إنسانية” شملت الحرمان من الماء ومنعهم من أداء الصلاة لعدة ساعات.
صراع الروايات: بين الأمن القومي وضغوط الـ”لوبي
“تتضارب الروايات حول الخلفيات الحقيقية وراء هذا المنع المشدد:
رواية منظمة “ماك” (MAC):
وصفت المنظمة سلوك السلطات بأنه “غير كندي” وينضح بالتمييز.
وأكدت في بيانها أن هناك استهدافاً سياسياً واضحاً تقوده منظمات وجماعات ضغط مؤيدة لإسرائيل (مثل منظمة B’nai Brith) ، والهدف منه – بحسب وصفها – هو إسكات الأصوات المسلمة المدافعة عن حقوق الشعب الفلسطيني وتشويه سمعة العمل الإسلامي في كندا .
رواية المنظمات المعارضة: في المقابل، مارست منظمات يهودية كندية ضغوطاً علنية لمنع هؤلاء المتحدثين، مدعية أن قائمة ضيوف المؤتمر تضم شخصيات لها صلات تاريخية بفكر جماعة الإخوان المسلمين أو حركات تصنفها دول أخرى كمتطرفة، وانتقدت استضافة شخصيات عبرت عن مواقف مثيرة للجدل بشأن أحداث الشرق الأوسط.
موقف الحكومة الكندية:
تلتزم وكالة خدمات الحدود (CBSA) الصمت حيال الحالات الفردية تماشياً مع قوانين الخصوصية، لكنها تصر على أن فحص المسافرين والتأكد من أهليتهم لدخول البلاد هو إجراء سيادي وقانوني بحت لحماية الأمن القومي.
ويؤكد البعض ان ما يحدث هو منعطف حاسم من تاريخ العلاقة بين الجالية المسلمة في كندا ومؤسساتها الحكومية، حيث تجد «ماك» نفسها في مواجهة مزدوجة لم تشهد لها سابقة، حيث تعيش نزاع قانوني مطول مع وكالة الضرائب الكندية (CRA) دخل عامه الحادي عشر، وفي الوقت ذاته تواجه معركة تشريعية ضارية حول مشروع القانون الفيدرالي C-9 الذي بات يُهدد بتجريم التعبير الديني.
ما يجري ليس مجرد خلاف إداري حول سجلات محاسبية أو نصوص قانونية جافة؛ بل هو مواجهة تكشف عن أسئلة وجودية جوهرية: هل يتمتع المسلمون الكنديون بحرية دينية وتعبيرية حقيقية تعادل تلك التي يتمتع بها سائر المواطنين؟ وإلى أي حدٍّ يمكن أن تُحوَّل الأدوات القانونية والرقابية إلى سلاح انتقائي بيد السلطة؟
عقد من المطاردة الضريبية
2015
تبدأ وكالة الضرائب الكندية تدقيقها في أنشطة «ماك» عبر وحدة المراجعة والتحليل (RAD) المتخصصة في ملفات تمويل الإرهاب.
2023
تلجأ «ماك» إلى محكمة أونتاريو العليا طالبةً وقف التدقيق لانتهاكه ميثاق الحقوق والحريات. يرفض القاضي الطلب لكنه يُقرّ صراحةً بأن إجراءات الوكالة «تتسم بالتجاوز» وأن موقف «ماك» كان سيحظى بفرصة نجاح حقيقية لولا مبدأ التقدم الوقائي.
2024
تُعلن «ماك» توصلها إلى «اتفاقية امتثال» مع وكالة الضرائب تتضمن غرامات مالية محدودة لـ«قضايا حوكمة تقنية»، في حين يبقى وضعها الخيري ساري المفعول دون تعليق أو إلغاء.
أكتوبر 2025
يصدر تقرير هيئة NSIRA (هيئة مراجعة الاستخبارات الأمنية) مؤيداً مخاوف «ماك» ومؤكداً أن عمليات التدقيق خاطرت بانتهاك الميثاق الكندي للحقوق والحريات.
أبريل 2026
تصدر دراسة البروفيسورة ميشيل غالانت (جامعة مانيتوبا) مُدمِّرةً لمنهجية التدقيق، فيما تُعلن وكالة الضرائب تراجعها عن توصيتها السابقة بسحب الصفة الخيرية عن «ماك».
تقرير جالانت: كيف انهار بنيان الاتهام؟
لم يكن صدور تقرير البروفيسورة ميشيل جالانت في مطلع أبريل 2026 مجرد ورقة أكاديمية إضافية في ملف طويل؛ كان بمثابة رصاصة في أصل الاتهام الذي اعتمدت عليه وكالة الضرائب طوال أحد عشر عاماً.
جالانت، الخبيرة في قوانين تمويل الإرهاب وغسيل الأموال بجامعة مانيتوبا، والتي أجرت دراستها دون مقابل مادي وبلا علاقات سابقة مع أي من الطرفين، خلصت إلى أن نهج الوكالة في رصد التطرف «أثبت قصوراً جسيماً» في ملف «ماك».
أبرز نتائج تقرير جالانت
وأكد تقرير البروفيسورة ميشيل جالانت، أن آلية التدقيق اعتمدت على مبدأ «الذنب بالتبعية» غير القانوني — أي الإدانة بمجرد وجود روابط مع جهات أخرى.
وأضافت جالانت، أن معيار «المناطق عالية المخاطر» الفضفاض أوقع مؤسسات مسلمة بريئة تحت طائلة الاشتباه.
وأشار تقرير جالانت إلى أن تقارير داخلية لوكالة CRA ذاتها اعترفت بأن بعض عمليات التدقيق لم ينبغ أن تُجرى أصلاً.
وشددت على وكالة الضرائب تطوير إلمامها بالثقافات والأديان، وتحديداً الإسلام، لتفادي التفسيرات المنحازة.
واوصى التقرير بنشر قوائم شفافة بالجهات التي يُحظر على المؤسسات الخيرية التعامل معها، بدلاً من الاكتفاء بالمراقبة السرية.
ما يزيد الأمر خطورةً أن وكالة CRA رفضت التعليق على التقرير، بل رفضت أصلاً الإفصاح عن مجريات التدقيق بحجة اللوائح القانونية التي تحظر ذلك إلا في حالة سحب الصفة الخيرية أو تعليقها. هذا الغموض المؤسسي بحد ذاته كان أحد الاتهامات الجوهرية في التقرير.
قانون «مكافحة الكراهية» أم تجريم الإيمان؟
في خضم المعركة مع وكالة الضرائب، انفتحت جبهة ثانية لا تقل خطورة، وهو مناقشة مشروع القانون الفيدرالي C-9 المعروف بـ«قانون مكافحة الكراهية» (Combatting Hate Act)، الذي قدمته الحكومة الليبرالية في سبتمبر 2025 ونال موافقة مجلس النواب في مارس 2026 بتصويت 186 مقابل 137 صوتاً، مستنداً إلى دعم حزب كتلة كيبيك.
القانون في حد ذاته لم يكن موضع خلاف جوهري؛ فهو يُجرّم الترويج للكراهية عبر رموز إرهابية في الأماكن العامة، ويحمي أماكن العبادة من الإيذاء والعرقلة — وهي أهداف تحظى بدعم عريض. الخلاف المحتدم يكمن في تعديل واحد محوري: حذف المادة 319(3)(ب) من قانون العقوبات الكندي.
الغريب أن المادة المحذوفة كانت تُتيح للمتهم تبرئة نفسه إذا أثبت أن تصريحاته جاءت من «التعبير بحسن نية عن رأي ديني أو رأي مستند إلى معتقد في نص ديني». بمعنى آخر: كانت الدرع القانوني الذي يحمي الأئمة والخطباء حين يُعبّرون عن مواقف دينية أو أخلاقية، حتى لو وجدها البعض مثيرةً للجدل.
يذكر أن، “ماك” ليست وحدها في هذه المعركة؛ إذ وقّعت أكثر من 350 منظمة — من مجتمعات مسلمة وسيخية ومسيحية ويهودية أرثوذكسية وكاثوليكية — على رسائل احتجاج مطالبةً بسحب القانون. وانضم إليها المجلس الكندي للحريات المدنية وخبراء دستوريون بارزون. صوّت المحافظون وحزب NDP ضد القانون، بينما عبّر أعضاء من داخل الحزب الليبرالي عن قلق خاص بشأن التبعات على حرية التعبير.
الرهانات الكبرى
تجمع هذه القضايا في سياق واحد لا يمكن قراءتها منفصلةً عنه: كندا التي ترفع شعار محاربة الإسلاموفوبيا على المستوى الرسمي، وتُشيد بتعدديتها الدينية في كل محفل دولي — هي ذاتها التي تتهم أكبر جمعية إسلامية فيها بالتمويل غير المشروع طوال عقد، وتُشرّع قانوناً قد يُجرّم صلاة الجمعة إذا أساء أحدهم تفسير كلمات الإمام.
الجالية المسلمة في كندا، التي تتجاوز مليوناً وسبعمائة ألف شخص ويشكلون ثقلاً انتخابياً لا يُستهان به في الدوائر الحضرية الحساسة، تراقب. والحزب الليبرالي يعرف ذلك جيداً — وهو ما يفسّر تردده في إبداء موقف حاسم، وتعديلاته المتكررة التي وصفها كثيرون بأنها «ترقيع لا علاج».
السيناريو الذي يتشكّل أمامنا يضع الحكومة الكندية أمام فرصة تاريخية لإثبات جدية التزاماتها، بإصلاح منهجية التدقيق الضريبي على المنظمات الدينية، ومراجعة قانون C-9 في مجلس الشيوخ قبل نفاذه، واستعادة ثقة جالية تشعر بأنها تخوض معارك وجودية في بلد تدّعي حكومته أنها حليفتها.
تقرير شريف حمادة:






