سوبرمان مصر!!

على النقيض تماما من سلبية المصورين في حريق شقة العمرانية الذي أدى لاستشهاد أسرة من الأم والجدة والحفيدين، وما أصابنا ذلك من تشاؤم وصدمة في نخوة الرجال السلبيين، نجد أن الله أراد أن يعطينا أملا ومثالا على أن الشهامة والنخوة والمروءة لا يمكن أبدا أن تنتهي من الشعب المصري.
ففي صبيحة الأمس وكالمعتاد خرج الشاب أحمد مجدي ندا من قرية إبشواي الملق التابعة لمركز قطور بمحافظة الغربية ،ساعيا على رزقه حيث يعمل سباكا، واستقل المواصلات ، وفي أثناء متابعته الطريق حيث الترعة عن يساره وهو يفكر في يومه ورزقه ، وما سيعود به من طعام شهي لزوجته وطفلته الصغيرة التي تظل ضحكتها لا تفارق خياله وتهون عليه مشقة العمل وصعوبة الحياة، وفي أثناء هذا التفكير لاحظ اصطدام سيارتين وسقط واحدة في الترعة وبها أسرة من الاب والام وطفلتهما الصغيرة، فما كان من احمد ، دون تفكير في النفس أو تروي ، سوى أنه انطلق مسرعا من السيارة التي تقله وأمسك بحجر وقفز في الماء فوق السيارة التي بدأت بالفعل في الغرق ومعها الأسرة ، وهنا انبرى الشاب أحمد يطمئن الأسرة ويكسر زجاج السيارة كأفضل نموذج لسوبرمان حقيقي مصري وليس خيالا .
وما أن رأته الأسرة حتى عادت لها الروح وبدأت تطمئن قليلا رغم أن السيارة تغرق وتسحبهم معها لأسفل ، وبعد أن تمكن احمد من تحطيم زجاج السيارة وقد أدى ذلك إلى إصابته بجروح عميقة في يده تنزف ، لكنه أبى إلا أن يكمل مهمته الملائكية، فأمسك بالطفلة وأخرجها سالمة للشاطئ ثم عاد لينقذ الاب ومن بعده الأم التي كادت تلفظ أنفاسها الأخيرة حتى أنها تشبثت به وكادت أن تغرقه معها .

ثم حضرت الإسعاف لتقوم بالإسعافات اللازمة للأسرة التي سلمت جميعا من الغرق وعادوا لمنزلهم واحبائهم سالمين بفضل الله اولا ثم شهامة ذلك المصري الأصيل الذي لم يفكر في ذاته وما ممكن أن يحدث له، ولم يحسب أي حسابات تخص أمنه الشخصي ، وما كان يهمه إنقاذ تلك الأرواح البريئة التي كثيرا مما استشهد أمثالهم في المكان ذاته لسلبية المحيطين بهم ، ولم يرى احمد وهو ينقذ الطفلة الصغيرة سوى صورة ابنته وهي تبتسم فكان في الحقيقة ينقذ ابنته في هذه الطفلة الصغيرة .
ولم تمر سلبية المصورين القتلة في حادثة شقة العمرانية وغيرهم بباله، وإنما كان إحياء النفس عنده أهم من نفسه مصدقا لقوله تعالى : مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة: 32].
هذا هو احمد البطل المصري الحقيقي الذي ينبغي أن نحتفل به ويتم استضافته في كل المحافل الإعلامية مثل لاعبي الكرة والممثلين وغيرهم ، ولن أقول من المفترض أن يكون الاحتفاء به أعلى وتقديره من الدولة أشد فهو النموذج والقدوة الحسنة بالفعل لو أردنا تنمية مثل هذه الأخلاق الكريمة والشهامة والصفات المصرية الأصيلة .
بقلم د. حربي الخولي
كاتب وباحث مصري





