“اغتيال الشاهد وقتل الحقيقة”: عقيدة استهداف الصحفيين في استراتيجية جيش الاحتلال..

لم تكن الشهيدة فاطمة فتوني في جنوب لبنان، أو مئات الزملاء في غزة، مجرد أرقام في قوائم الضحايا، بل كانوا ‘شهود عيان’ صدر بحقهم حكم الإعدام الميداني لمنعهم من نقل تفاصيل الجريمة إلى ضمير العالم.”
فبينما يُفترض أن تكون السترة الزرقاء التي تحمل كلمة ‘PRESS’ درعاً يحميه القانون الدولي، تحولت في عقيدة جيش الاحتلال، وعدد من الدول المعتدية إلى ‘نقطة تصويب’ تختصر المسافة بين الحقيقة والاغتيال.
فلم يعد الصحفي ذاك المراقب المحايد الذي يقف على الهامش، بل تحوّل إلى لاعب خطير في معادلة الصراع، ليس لأنه يحمل سلاحًا، بل لأنه يحمل ما هو أخطر، وهي الحقيقة.
وهنا تبدأ القصة
ففي أدبيات الحروب، تُعتبر الكلمة رصاصة والصورة خندقاً، وبالتالي تحول الصحفي في العقيدة العسكرية لجيش الاحتلال الإسرائيلي، من “ناقل للخبر” إلى “هدف مشروع”.
إن تكرار حوادث قتل الصحفيين من غزة إلى جنوب لبنان، وآخرهم الشهيدة فاطمة فتوني ورفاقها، ليس مجرد “أضرار جانبية”، بل هو سياسة ممنهجة لإعدام الشاهد قبل أن يكتمل توثيق الجريمة.
لذلك، يصبح السؤال الحقيقي: هل يُقتل الصحفي لأنه أخطأ؟
أم لأنه أصاب الحقيقة في مقتل؟
في كثير من الحروب، الإجابة واضحة ومؤلمة:يُستهدف لأنه نجح في كشف ما يجب أن يبقى مخفيًا.
كسر “عين الحقيقة”.. لماذا الصحفي هو الهدف؟
وبما أن الحروب اليوم لا تُحسم فقط بالدبابات والطائرات، بل تُحسم أيضًا عبر الشاشات، فإن الحروب الحديثة تعتمد على “معركة الرواية” بقدر اعتمادها على الصواريخ.
ويسعى جيش الاحتلال من خلال استهداف الطواقم الإعلامية إلى تحقيق ثلاثة أهداف استراتيجية:
خلق فراغ معلوماتي: غياب الصحفي يعني غياب التوثيق الحي، مما يمنح المعتدي فرصة لترويج روايته الخاصة دون تفنيد ميداني.
ترهيب الناجين إرسال رسالة دموية لكل من يحمل كاميرا بأن “الخوذة والدرع” لن يحمياك، مما يدفع البعض للتراجع عن التغطية في النقاط الساخنة.
طمس معالم الجرائم: أغلب الاغتيالات تقع قبيل أو أثناء ارتكاب مجازر كبرى، كما حدث في استهداف مراكز الإيواء والمستشفيات، لضمان عدم خروج صور تفضح زيف الادعاءات العسكرية.
“بروتوكول الشيطنة”.. غطاء ما بعد القتل
ويتبع جيش الاحتلال نمطاً مكرراً عقب كل عملية اغتيال لصحفي؛ تبدأ بإنكار الاستهداف المتعمد، ثم تنتقل إلى مرحلة “شيطنة الضحية”.
كما حدث مع صحفيي غزة وجنوب لبنان، يتم إصدار بيانات تزعم انتماءهم لجهات عسكرية دون تقديم دليل مادي واحد. هذا البروتوكول يهدف إلى امتصاص الغضب الدولي عبر تحويل الصحفي من مدني محمي بقوة القانون إلى “مقاتل” بصفة إعلامية.
إضافة إلى إرباك المنظمات الحقوقية الدولية وعرقلة مسار التحقيقات الجنائية.
جغرافيا الدم.. من غزة إلى لبنان
الأرقام المرعبة التي سُجلت منذ أكتوبر 2023 وحتى عام 2026، والتي تجاوزت 260 صحفياً في غزة وعشرات في لبنان، تثبت أننا أمام “إبادة إعلامية”. استهداف عائلة وائل الدحدوح، واغتيال شيرين أبو عاقلة سابقاً، وقصف خيام الصحفيين في المستشفيات، وصولاً إلى الغارة الأخيرة في جزين، كلها شواهد على أن “سترة الصحافة” باتت في عرف الاحتلال “إشارة تصويب” وليست علامة حماية.
عجز القانون وتواطؤ الصمت
نظريًا، يحمي القانون الدولي الصحفيين باعتبارهم مدنيين،
لكن عمليًا، كم من جريمة موثقة عوقب مرتكبوها؟.
الحقيقة المؤلمة أن القانون بلا إرادة… مجرد حبر على ورق.
فرغم أن المادة 79 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيفا تنص صراحة على حماية الصحفيين، إلا أن غياب المحاسبة الدولية حول هذا الاستهداف إلى “جريمة بلا عقاب”.
إن استمرار إفلات القتلة من العقاب يشجع على تكرار المجازر، ويجعل من القوانين الدولية مجرد حبر على ورق أمام آلة القتل.
إن اغتيال الصحفيين هو اعتراف ضمني بالهزيمة في معركة الأخلاق والحقيقة. قد ينجح الرصاص في تغييب فاطمة فتوني أو إسماعيل الغول جسدياً، لكنه يفشل دائماً في محو الحقيقة التي وُثقت. ففي عصر الفضاء المفتوح، يصبح كل استهداف لصحفي بمثابة “تأكيد” على الجريمة التي أراد الاحتلال إخفاءها.
شريف حمادة
كاتب وصحفي مصري


