مقالات

حين تصبح السيارة الفارهة برهاناً للنبوغ!

في زمنٍ مضى، كان يقال إن “العلم يرفع بيوتاً لا عماد لها”، لكن في نسختنا المعاصرة من الحياة، يبدو أن “الهزّ” و”الضجيج” يرفعان القصور، ويشتريان أساطيل السيارات، بل ويمنحان صاحبهما ثقةً تجعله يقرر “التفاهم” مع الخالق (حاشا لله) حول شرعية أمواله، وكأن المسألة مجرد تسوية مالية في مكتب ضرائب!.

رثاء لمن قرأوا.. وسخرية ممن رقصوا
بينما يقضي العالم والباحث سنوات عمره بين أوراق المعامل والمختبرات، يحسب ميزانية بحثه العلمي بالمليم ، في محاولته فك شفرة مرض أو حل معضلة تقنية، يخرج علينا “مطرب مهرجانات” لم يدرك من التعليم إلا قشوره، ليخبرنا أن ثمن سيارته الأخيرة تجاوز التسعة ملايين جنيه.
المفارقة هنا ليست في “الرزق”، فالله يرزق من يشاء، لكن الفاجعة في “المنطق”.
الفاجعة في أن يُصبح الجهل هو “الماركة المسجلة” للنجاح، وأن تتحول ضحالة الفكر إلى مادة تتسابق عليها الفضائيات الرسمية.

ثقافة “أنا ومن بعدي الطوفان”

عندما يقول أحدهم “سأتفاهم مع الله”، فهو لا يقدم تصريحاً دينياً، بل يقدم “بيان استعلاء” مدعوماً بمحركات السيارات الألمانية. هذا المنطق يقول ببساطة: “طالما أملك المال، فأنا على حق”.. هنا، تموت القيمة، وتنتحر الثقافة على عتبات “التريند”.
الإعلام الذي كان يوماً منبراً للمثقفين والمفكرين، أصبح اليوم “خادماً” عند أقدام المشاهدات، يلمّع أنصاف الموهوبين، ويفتح لهم السجاد الأحمر، فقط لأنهم يملكون “ضجيجاً” يدرّ ذهباً.

الضجيج الذي يبتلع العقول
نحن نعيش “عصر الربح السريع” الذي لا يعترف بالجهد الذهني. العلم يحتاج إلى صبر، والفن الحقيقي يحتاج إلى صقل، لكن “المهرجان” يحتاج فقط إلى “خبط ورزع” وكلمات تخاطب الغرائز. وعندما تدعم المؤسسات الرسمية هذه النماذج، فهي لا تدعم فناً، بل تكرس لهزيمة “المتعلم” أمام “المؤدي”، وتهمس في أذن الجيل الجديد: “لا تتعب نفسك بالكتب، فسيارة التسعة ملايين لا تسكن في المكتبات، بل في صخب المهرجانات”.

عذراً أيها العلماء، وعذراً يا أصحاب الأصوات التي تهذب الأرواح.. ففي سوق “الضوضاء”، لا صوت يعلو فوق صوت “المحرك الذي يساوي الملايين”.
نحن لا نرثي الفن وحده، بل نرثي سلماً قيمياً صار فيه “الجهل المرفّه” قِبلة، و”العلم المتواضع” مجرد ذكرى في كتب التاريخ.
إنها كوميديا سوداء، بطلها يركب سيارة فارهة، وضحيتها مجتمع يصفق لمن يسخر من عقله وقيمه، بانتظار “تفاهم” لن يأتي، في زمن ضاعت فيه لغة التفاهم مع الواقع.

تحالف “الشاشة” و”الساحة”: مَن القاتل الحقيقي؟.

إن توجيه أصابع الاتهام لا ينبغي أن يقف عند عتبة المطرب “المتباهي” بجهله، بل يجب أن يمتد ليطال المثلث المكتمل للأزمة.

هذا الإعلام الذي يفتح استوديوهاته الفخمة لمن لا يملك من الفن إلا “ضجيجه”، ليس إعلاماً تنويرياً، بل هو تاجر “تريند” يقايض وعي الناس بحفنة من الإعلانات.

عندما تُستضاف النماذج الفاشلة وتُسأل عن ثمن أحذيتهم وسياراتهم بدلاً من محاكمتهم ذوقياً، فإن الإعلام هنا يرتكب خيانة عظمى لمهمته الأساسية، ويحول “القبح” إلى “قدوة” تحت مسمى “حرية الفن” أو “رصد الواقع”.

جمهور “الرقص على الجراح”
أما الجمهور الذي يستهلك هذا الضجيج، فهو الشريك الصامت -أو الصاخب- في الجريمة.
إن الرقص على أنغام الجهل ليس تسلية بريئة، بل هو تنازل طوعي عن الرقي الإنساني.

هذا الجمهور هو من يمنح هؤلاء القوة من خلال “اللايك” و”المشاركة”، محولاً إياهم إلى أرقام صعبة في معادلة السوق، حتى صار العالم والمثقف يشعر بالغربة في وطنه لأن “التصفيق” محجوز لمن يصرخ بصوت أعلى، لا لمن يفكر بعمق أكبر.

نحن أمام “تحالف القبح”؛ إعلام يبيع الوهم، وجمهور يشتري الهوان، ومؤدٍّ يقبض الثمن ملايين وسيارات.

إنها دائرة مفرغة لن ينكسر طوقها إلا بوعي يرفض أن تكون “الضوضاء” هي نشيدنا الوطني، وبإعلام يحترم عقل المشاهد بدلاً من ملاحقة أرصدة “أنصاف المتعلمين”.

عندما يتوقف الجمهور عن “التصفيق” للضجيج، يضطر الإعلام لإطفاء الأنوار، ويبدأ أصحاب سيارات الملايين في إدراك أن قيمتهم الحقيقية يحددها وعي الناس، لا أرصدة البنوك.
شريف حمادة
كاتب وصحفي مصري

alarabicpost.com

موقع إخباري عربي دولي.. يتناول آخر الأخبار السياسية والاقتصادية والثقافية والرياضية، إضافة إلى التحقيقات وقضايا الرأي. ويتابع التطورات على مدار 24

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى