مدونات عرب بوست

برج ميعار بسورية: نعم أنا مملوكي ومشيدي قلاوون … ولكن مثلي لا يُذاع له سر (2)!!.

تاريخ بناء البرج :
لم يذكر صاحب التشريف تاريخ بنائه بالتحديد، ولكن يفهم مما ذكره أنه بنى بعد تشييد برج مرقية البحري، وبرج مرقية البحري شيده “بارتلمي” بعد وفاة السلطان الظاهر بيبرس سنة 676هـ/1277م أي في الرمق الأخير من العقد الثامن من القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميـلادي , ومن ثم رجحنا بنـاء هذا البرج (برج ميعار) فيما بين سنة 678 – 680هـ/1279–1281م وذلك للأسباب الآتية:
– أن البرج بنى بعد بناء برج مرقية البحري المشيد سنة 1277م/676هـ ولما كانت بداية عهد قلاوون سنة 678هـ/1279م فإنه لن يُشرع في بناء برج ميعار قبل سنة 678هـ/1279م.
– أنه في محرم سنة 680هـ/ مايو 1281م وقعت هدنة بين قلاوون والإسبتارية في عكا لمدة عشر سنين وعشرة أشهر وعشرة أيام وعشر ساعات وذكر فيها سرد لأملاك المسلمين وكان من بينها برج ميعار.

– أسباب الوقوع في الخلط والخطأ في نسبة البرج إلى الصليبيين: من وجهة نظري هناك عوامل أساسية أحدثت الخلط والاضطراب التاريخي الآثاري وهي: أولاً تهدم البرج ووجود بقايا ضئيلة لا تساعد على رسم صورة للبرج وتأريخه تأريخاً دقيقاً صليبياً كان أو إسلامياً, ثانياً أن المواقع الساحلية كنقاط حصينة يتوالي عليها التحصينات ومراحل البناء عصرا بعد عصر مما يسبب ارتباكا تاريخيا آثاريا لا سيما إذا كان بناء مرحلة قد تلاشي تماماً وأعيد بناؤه كلية على التخطيط الارضي القديم والأساسات الأصلية لذا فإن البت في أمره تاريخيا ومعماريا يحتاج لمزيد من التكنولوجيا والفحص والتدقيق لسبر الغور وتبيان العصور, أضف إلى ذلك أن الاستراتيجية العسكرية الإسلامية التي تم اتباعها في العصور الإسلامية إبان الحروب الصليبية ولاسيما في العصرين الأيوبي والمملوكي كانت لا تعتمد على أبراج مستقله في نقاط حصينة في السهول الساحلية أو حتى في مياه البحر بل كانت تلك استراتيجية صليبية بامتياز، وهذا ما أحدث الخلط وسبب الالتباس التاريخي الآثاري حيث جرى العرف كمسلمة مفروغ منها على اعتبار برج ميعار برجاً صليبيا يتسق والاستراتيجية الصليبية, ثالثاً وقوع البرج في حيز صليبي تماماً في منطقة الساحل السوري فيما بين طرطوس وصافيتا وحصن الأكراد, وهي منطقة تعج بالتحصينات الصليبية وخاصة الأبراج المستقلة مثل برج تخله وبرج عرب التي كنت تستخدم للمراقبة والرصد والإشارة والمراسلات والتجسس على الأعداء المسلمين، كل ذلك يجعل من الآراء التي كانت تقول بأن البرج صليبي تكاد تكون أمراً بديهياً، ولكن مع الإشارة التاريخية التي استقيناها وعضدناها بالأدلة يمكن القول بإطمئنان أنه برج إسلامي مملوكي شيد في عهد المنصور سيف الدين قلاوون، وأن السبب في تغير الإستراتيجية الإسلامية العسكرية هو محاولة وضع إستراتيجية مضادة لبرج مرقية البحري والذي كان لا ينفع معه حصار ولا حرب تقليدية، ولا رمى بالمنجنيقات لأنه كان مشيداً في عرض البحر, ومن ثم شيد هذا البرج ( برج ميعار المملوكي الإسلامي) لوأد أية تحركات لحامية برج مرقية البحري لمجابهة هذا البرج الذي عاث فساداً في أراضي المسلمين.

الدرس المستفاد للباحث العلمي: عدم تقديس المسلمات والنظريات السابقة والآراء القديمة, والشك المنهجي في المسلمات للوصول للحقيقة العلمية وإخضاع كل الآراء لميزان البحث والتحري والتمحيص المغلف بالموضوعية بعيداً عن الأهواء أو التكلف, وختاماً فإن الإخلاص في العمل والروح الطموحة والخيال الوثاب والكفاح داخل مستنقعات الجهل والظنون وغياهبها كل ذلك يجعل من توفيق الله حليفاً, ولا ننسى أن الشك في المسلمات وعدم تقديس القديم من جهة, والانطلاق في عوالم الخيال العلمي الرحب من جهة أخرى (والمغلفة جميعاً بالموضوعية والبعد عن الأهواء) هما جناحا الإبداع العلمي. (تم بحمد الله اللهم اجعل كل إفادة من ذلك العلم في ميزان حسنات أمي ونور بهذا العلم قبرها ومرقدها والتي لولاها لما حققت شيئاً ولا تعلمت علماً).

المصدر: رسالتنا للدكتوراه الموسومة “التحصينات الحربية في جبال وسهول وجزر الساحل السوري زمن الحروب الصليبية”, كلية آثار- جامعة القاهرة 2016.

كاتب المقال عالم الآثار المصري بوزارة الآثار
الدكتور محمد شبانة

alarabicpost.com

موقع إخباري عربي دولي.. يتناول آخر الأخبار السياسية والاقتصادية والثقافية والرياضية، إضافة إلى التحقيقات وقضايا الرأي. ويتابع التطورات على مدار 24

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى