مفتاح لا يملكه أحد!!

معظم الناس لا يريدون الحقيقة، بل يريدون الاهتمام، يريدون أن تغضب إذا أساؤوا إليك، أن تبرر إذا اتهموك، أن تدافع عن نفسك إذا شككوا فيك، وأن تركض خلفهم إذا ابتعدوا.
لذلك فإن أكثر ما يربك البشر ليس القوة، ولا الذكاء، ولا المال، بل التغافل والاستغناء.
التغافل ليس غباءً كما يتصور البعض، بل هو ذكاء من نوع خاص، أن ترى الخطأ وتقرر ألا تمنحه أكبر من حجمه الطبيعي، أن تفهم الإساءة ثم ترفض أن تجعلها محور تفكيرك، أن تدرك النية الخبيثة، ثم تحرم صاحبها من متعة استفزازك.
فبعض المعارك لا تخسرها عندما تنهزم فيها، بل تخسرها عندما تنزل إليها أصلًا.
والحقيقة المزعجة أن كثيرًا من البشر يعيشون على ردود أفعال الآخرين.
يشعرون بقيمتهم عندما يشغلون مساحة من عقلك. لذلك فإن أقسى عقوبة يمكن أن توقعها على بعض الناس ليست الانتقام، بل التجاهل.
أما الاستغناء فهو الوجه الآخر للحكمة.
الإنسان المستغني ليس الذي يملك كل شيء، بل الذي لا ينهار إذا فقد شيئًا، ولا يتعلق بالأشخاص تعلق الغريق بخشبة، ولا يبيع كرامته مقابل اهتمام عابر، ولا يساوم على مبادئه خوفًا من الوحدة، ولا يمد يده لمن أغلق بابه في وجهه.
ولهذا يخاف الناس من المستغني أكثر مما يخافون من الغاضب.
فالغاضب يمكن استدراجه، والعاطفي يمكن ابتزازه، والطماع يمكن شراؤه، أما المستغني فلا يملك أحد مفتاحه.
الإشكال الحقيقي في ثقافة العصر أنها لا تُشجع على التغافل ولا على الاستغناء، بل تدفع إلى النقيض تمامًا.
الكل يريد أن يرد، ويشرح، ويثبت نفسه، ويكسب إعجاب الآخرين.
ولا يمكن إنكار أن ضغوط الحياة تلعب دورًا كبيرًا فيما يمر به الناس.
فالأعباء المالية، والالتزامات المتراكمة، وتعقيدات العلاقات الإنسانية، كلها تستهلك الأعصاب وتستنزف القدرة على الاحتمال.
لكن ذلك لا يفسر كل شيء.
فدائمًا يبقى هناك فرق بين ما فرضته الظروف على الإنسان، وما أدخله هو إلى عقله بإرادته.
هناك هموم جاءت مع الحياة، وهناك هموم استوردناها من معارك لا تخصنا، ومن أشخاص لا يستحقون، ومن كلمات كان يمكن أن تمر لو أحسنا التغافل.
فليست كل الأثقال التي نحملها مفروضة علينا، بعضها اخترنا أن نحمله ثم اشتكينا من ثقله.
في النهاية: لا يقاس نضج الإنسان بعدد انتصاراته، بل بعدد المعارك التي عرف أنها لا تستحق أن تُخاض.
التغافل يحفظ العقل، والاستغناء يحفظ الكرامة. ومن جمع بينهما عاش أخف قلبًا، وأهدأ نفسًا، وأقل خضوعًا لعبث البشر.
فأكثر الناس يصفقون لمن يصرخ، ويطاردون من يتوسل، ويتعاطفون مع من يشتكي.
أما ذاك الذي جمع بين التغافل والاستغناء،
فقد عبر الحياة بهدوء،
لا يهرب من المواجهة، بل يواجه بعقل واعٍ،
يعرف متى يتحرك ومتى يتوقف،
ويزن النتائج قبل الإقدام على أي خطوة.
خلاصه القول : أكثر ما يرهق الإنسان ليس ما يحدث له، بل إصراره على أن يكون طرفًا في كل شيء.
وأكبر إنجاز للوعي:
أن تختار ألا تكون جزءًا من الضجيج أصلًا.
بقلم محمود حمدي

