برج ميعار بسوريا: نعم أنا مملوكي ومشيدي قلاوون.. ومثلي لا يذاع له سر!!

توطئة: مثله كبرج منفرد مستقل لم يتبق منه سوى أنقاض وبقايا لا تسمن ولا تغني من جوع علمي من البدهي والحال هذه وبعد أن أهمله المؤرخون أيما إهمال أن يهمله الباحثون والآثاريون المحدثون كذلك وتطوى قصته طي الكتمان وتتلاشى الأدلة التاريخية في غياهب النسيان من الطبيعي ألا يُذاع له سر لانه ليس ذا بال بالنسبة للباحثين, لكننا بفضل الله وتوفيقه وعنايته استطعنا سبر غوره وإذاعة سره.
موقع البرج ونسبته للفرنج (الصليبيين): يقع بقرية ميعار شاكر بمحافظة طرطوس الساحلية السورية ولا يُعرف عن هذا البرج الكثير، والبرج حالياً مهدم وخاصة طابقه العلوي، وهناك بقايا من الطابق الأرضي، وهو مهجور يستعمله الرعاه حالياً مأوى لمواشيهم, وقد اعتقد كل من درس هذا البرج أنه برج صليبي، ومنهم دوسو الذي ذكر: أن برج ميعار هو نقطة صليبية ثانوية حصينة تقع فيما بين طرطوس وصافيتا وسميل أشار إلى أنه كان من ضمن أملاك الإسبتارية, وغيد إلياس ذكرت: أن هذا البرج صليبي، وكان يستعمل للمراقبة والمراسلات, وثناء عليان رغم أنها أشارت إلى أنه لم يرد ذكر لهذا البرج في المصادر التاريخية – علماً بأنها أشارت في السياق فيما بعد أن أول ذكر له عند فتح بيبرس لقلعة الحصن وفتح قلاوون لقلعة المرقب – ولا توجد إشارة لتاريخ بنائه، كما أنه لم يقم فيه سبر أثري منهجي، إلا أنها أشارت إلى أنه حصن مراقبة صليبي.
نظريتنا الجديدة في نسبة البرج:
الحقيقة أنه ليس هناك أدنى ذكر لهذا البرج كبرج صليبي في القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين/السادس والسابع الهجريين، كما أن البرج لم يذكر كما أشارت ثناء عليان عند فتح بيبرس لقلعة الحصن، وأول ذكر له جاء في عهد قلاوون، وقد وجدت ضالتي – بفضل الله وتوفيقه – في رواية رواها صاحب التشريف وهو عمل تاريخي يؤرخ لسيرة قلاوون أي أنه مصدر رئيسي يُعتمد عليه، وقد ذكر صاحب التشريف في معرض حديثه عن برج مرقية البحري الصليبي الآتي: “وكان النواب بحصن الأكراد وتلك الجهات لما بنى هذا الحصن – يقصد برج مرقية البحري – وعجزوا عن منعهم من عمارته لأن الأصناف والآلات إنما تحضر في البحر ألجأهم الحال إلى عمارة برج بالقرب منه بقرية تسمى ميعار وجرد خمسون راجلاً بالبدل فما أفاد ذلك، ولا أغنى غناء”.
تحليل هذه الروايه : هذه الرواية دليل قاطع على أن بناء هذا البرج تم في عهد قلاوون على يد نوابه في حصن الأكراد (قلعة الحصن) – الذي كان آنذاك في يد المسلمين بعد تحريره على يد بيبرس – وأن السبب في بنائه هو مراقبة تحركات الفرنج من حصن مرقية البحري وصد غاراتهم، وأنه كان به حامية إسلامية، ولكن بناء هذا البرج الذي جاء خصيصاً بعد بناء الصليبيين لبرج مرقية البحري لم يجد نفعاً، وهو ما اضطر قلاوون فيما بعد للتوصل إلى اتفاق مع صاحب طرابلس لهدم برج مرقية البحري، ويعضد ذلك أن ابن شداد الذي ألف تاريخاً للملك الظاهر بيبرس ذكر فيه جملة ما سقط في يد بيبرس من الحصون الفرنجية والإسماعيلية بل والحصون التي من أملاك المسلمين والتتار والأرمن لم يذكر مطلقاً برج ميعار من ضمن ما فتحه بيبرس من الحصون الفرنجية ، مما يدل على أنه لم يكن لهذا البرج وجود، في حين أن قربه من حصن الأكراد وفتح بيبرس لهذا الحصن الرئيسي يجعل من المحتم أنه لو وجد برج ميعار آنذاك لكان قد سقط في يد بيبرس.
تاريخ بناء البرج : لم يذكر صاحب التشريف تاريخ بنائه بالتحديد، ولكن يفهم مما ذكره أنه بنى بعد تشييد برج مرقية البحري، وبرج مرقية البحري شيده “بارتلمي” بعد وفاة السلطان الظاهر بيبرس سنة 676هـ/1277م أي في الرمق الأخير من العقد الثامن من القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميـلادي , ومن ثم رجحنا بنـاء هذا البرج (برج ميعار) فيما بين سنة 678 – 680هـ/1279–1281م وذلك للأسباب الآتية:
– أن البرج بنى بعد بناء برج مرقية البحري المشيد سنة 1277م/676هـ ولما كانت بداية عهد قلاوون سنة 678هـ/1279م فإنه لن يُشرع في بناء برج ميعار قبل سنة 678هـ/1279م.
– أنه في محرم سنة 680هـ/ مايو 1281م وقعت هدنة بين قلاوون والإسبتارية في عكا لمدة عشر سنين وعشرة أشهر وعشرة أيام وعشر ساعات وذكر فيها سرد لأملاك المسلمين وكان من بينها برج ميعار.
– أسباب الوقوع في الخلط والخطأ في نسبة البرج إلى الصليبيين: من وجهة نظري هناك عوامل أساسية أحدثت الخلط والاضطراب التاريخي الآثاري وهي: أولاً تهدم البرج ووجود بقايا ضئيلة لا تساعد على رسم صورة للبرج وتأريخه تأريخاً دقيقاً صليبياً كان أو إسلامياً, ثانياً أن المواقع الساحلية كنقاط حصينة يتوالي عليها التحصينات ومراحل البناء عصرا بعد عصر مما يسبب ارتباكا تاريخيا آثاريا لا سيما إذا كان بناء مرحلة قد تلاشي تماماً وأعيد بناؤه كلية على التخطيط الارضي القديم والأساسات الأصلية لذا فإن البت في أمره تاريخيا ومعماريا يحتاج لمزيد من التكنولوجيا والفحص والتدقيق لسبر الغور وتبيان العصور, أضف إلى ذلك أن الاستراتيجية العسكرية الإسلامية التي تم اتباعها في العصور الإسلامية إبان الحروب الصليبية ولاسيما في العصرين الأيوبي والمملوكي كانت لا تعتمد على أبراج مستقله في نقاط حصينة في السهول الساحلية أو حتى في مياه البحر بل كانت تلك استراتيجية صليبية بامتياز، وهذا ما أحدث الخلط وسبب الالتباس التاريخي الآثاري حيث جرى العرف كمسلمة مفروغ منها على اعتبار برج ميعار برجاً صليبيا يتسق والاستراتيجية الصليبية.
ثالثاً وقوع البرج في حيز صليبي تماماً في منطقة الساحل السوري فيما بين طرطوس وصافيتا وحصن الأكراد, وهي منطقة تعج بالتحصينات الصليبية وخاصة الأبراج المستقلة مثل برج تخله وبرج عرب التي كنت تستخدم للمراقبة والرصد والإشارة والمراسلات والتجسس على الأعداء المسلمين، كل ذلك يجعل من الآراء التي كانت تقول بأن البرج صليبي تكاد تكون أمراً بديهياً، ولكن مع الإشارة التاريخية التي استقيناها وعضدناها بالأدلة يمكن القول بإطمئنان أنه برج إسلامي مملوكي شيد في عهد المنصور سيف الدين قلاوون، وأن السبب في تغير ا
الدكتور محمد شبانة
عالم الآثار ومدير شمال القاهرة لمنطقة الاثار





