ضحايا الأمس… قتلة الغد!!

نعيش زمنًا غريبًا لا تكمن مشكلته في تغير القوانين أو تبدل العادات فحسب، بل في اجتماع الشيء ونقيضه داخل المشهد نفسه.
زمن أصبح فيه كثيرون يطالبون بالحقوق كاملة، بينما يتعاملون مع الواجبات وكأنها اختيارية.
وزمن يحمل فيه بعض الناس أدوات القوة دون أن يمتلكوا ثباتها النفسي أو مسؤوليتها الأخلاقية.
في الماضي كانت الأدوار الاجتماعية واضحة إلى حد كبير، سواء اتفقنا معها أو اختلفنا.
أما اليوم فقد اختلطت الحدود، وتداخلت المفاهيم، وأصبح الإنسان يسمع الخطاب ونقيضه في اللحظة نفسها.
يُطالب البعض بالمساواة المطلقة عندما يتعلق الأمر بالحقوق، لكنهم يعودون إلى التمييز عندما يتعلق الأمر بالواجبات والتكاليف وتحمل النتائج.
يُطالبون بالاستقلال الكامل، ثم يطالبون في الوقت نفسه بالحماية الكاملة.
يُنكرون الفوارق عندما تمنح الرجل ميزة، ثم يتمسكون بها عندما تفرض عليهن اي مسؤولية.
وفي عالم التواصل الاجتماعي أصبحت الصورة أكثر ارتباكًا.
منصات كاملة تقوم على جذب الانتباه وإثارة الغرائز وتحويل كل شيء إلى مادة للاستهلاك والمشاهدة، ثم يتفاجأ البعض بأن العلاقات الإنسانية أصبحت أكثر هشاشة، وأن الثقة بين الناس تتآكل يومًا بعد يوم.
أصبحت بعض المنصات تخلط بين الحرية والاستعراض، وبين التعبير عن الذات والبحث عن الإثارة، حتى صار الإنسان يشاهد ما كان يُعد خروجًا على الذوق العام قبل سنوات قليلة، ثم يُطلب منه أن يتعامل معه باعتباره أمرًا طبيعيًا لا يستحق النقاش.
وكأننا نزرع أسباب الفوضى ثم نندهش من نتائجها.
لكن أخطر ما يحدث اليوم ليس ما نراه على الشاشات، بل ما يجري بهدوء داخل الأسرة نفسها.
وبينما ينشغل الجميع بالحديث عن الحقوق، تتغير قواعد الأسرة بهدوء.
وتُعاد صياغة العلاقات جيلاً بعد جيل.
حتى أصبح كثيرون يتساءلون: هل ما زلنا نحاول إصلاح الأسرة…
أم إعادة تعريفها بالكامل؟
لقد وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها الحديث عن واجبات الزوج أمرًا طبيعيًا، بينما أصبح الحديث عن واجبات الزوجة يثير الحساسية.
وأصبح الرجل مطالبًا بالإنفاق والحماية وتحمل المخاطر والنتائج، بينما يُنظر إلى أي حديث عن مسؤوليات مقابلة وكأنه عدوان على الحقوق.
يُقال للرجل: أنت المسؤول.
ثم يُقال له في الوقت نفسه: ليست لك سلطة.
ويُقال له: تحمّل النتائج.
ثم يُقال له: لا تناقش القواعد.
وهكذا نجد أنفسنا أمام معادلة غريبة؛ مسؤوليات تتزايد، وصلاحيات تتناقص، وحقوق يعاد تعريفها كل يوم.
والأغرب أن كثيرًا من الأصوات التي تتحدث عن المساواة لا تتحدث عنها إلا عندما تكون في صالحها.
أما حين تصل المساواة إلى التكاليف والتضحيات والأعباء والالتزامات، يعود الصمت من جديد.
فإذا كانت المساواة مبدأً عامًا، فلماذا يقتصر الحديث على ما يحصل عليه الإنسان، ولا يمتد إلى ما يُطلب منه؟
ولماذا يُنظر إلى بعض الواجبات باعتبارها بقايا من الماضي، بينما تبقى الواجبات الأخرى مقدسة لا يجوز الاقتراب منها؟
إن الأسرة لا يحميها قانون مهما بلغت دقته إذا غابت النية الصادقة في الحفاظ عليها.
ولا تبنيها المحاكم ولا المواد القانونية ولا البنود المكتوبة.
فالأسرة لا تُبنى بالعقود وحدها، بل بالثقة والالتزام والاستعداد لتحمل كلفة البقاء قبل التفكير في مكاسب الرحيل.
فالقانون يستطيع أن يجبر إنسانًا على الدفع.
لكنه لا يستطيع أن يجبره على المودة.
ويستطيع أن ينظم العلاقة.
لكنه لا يستطيع أن يصنع أسرة.
لكن المشكلة أن أكبر المتأثرين بهذه الصراعات ليسوا أطرافها المباشرين.
الزوج والزوجه قد يبدأو حياة جديدة.
أما الطفل فلا يملك هذه الرفاهية.
يبقى حاملًا لآثار المعركة سنوات طويلة، يتعلم منها كيف يشك أكثر مما يثق، وكيف يخاف أكثر مما يطمئن، وكيف ينظر إلى الأسرة باعتبارها ساحة نزاع لا ملاذًا آمنًا.
والأطفال لا يرثون الأموال والممتلكات فقط.
بل يرثون أيضًا طريقة آبائهم في إدارة الخلاف.
يرثون لغة الحوار أو لغة الصراع.
ويرثون الثقة أو الخوف.
وما يراه الطفل طبيعيًا اليوم، قد يمارسه غدًا دون أن يشعر.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية، فالمجتمعات لا تدفع ثمن أخطائها فورًا، بل تؤجل الفاتورة إلى الجيل التالي.
إن أخطر ما يهدد المجتمعات ليس الاختلاف، بل التناقض.
فالاختلاف يمكن التعايش معه.
أما التناقض فيُنتج أجيالًا لا تعرف ما الذي يجب الدفاع عنه أصلًا.
وحين تضيع المعايير، ويصبح كل شيء قابلًا لإعادة التعريف وفق المصلحة اللحظية، لا يعود السؤال: من حصل على حقوق أكثر؟
بل يصبح السؤال:
أي جيل نصنع الآن؟
لأن ضحايا الأمس لا يختفون.
بل يكبرون.
ثم يعيدون إنتاج ما عانوا منه بصورة جديدة.
وعندها يصبح ضحايا الأمس… قتلة الغد.
بقلم: محمود حمدي

