المقطم: حكاية الجبل المقدّس الذي تحرك من مكانه!!

في قلب القاهرة، يقف جبل المقطم شاهدًا على تداخل فريد بين التاريخ، والروحانية، والمعجزة.
هذا الجبل الذي يحمل اسمًا غامضًا في أصوله اللغوية، لم يكن مجرد كتلة صخرية صامتة، بل اتخذ مكانة مقدسة عبر العصور جعلته محط أنظار الأنبياء والقديسين.
وتكتمل إثارة هذا المكان بأشهر قصصه التاريخية؛ معجزة نقله التي ترويها الكتب، لتظل حكاية المقطم مزيجًا ساحرًا بين الإيمان الديني والأثر التاريخي الممتد.
ورد في تسمية جبل المقطم (بضم الميم وفتح القاف وتشديد الطاء المهملة وفتحها ) روايات كثيرة وعجيبة وطريفة، فقد قال المقريزي في كتابه “المواعظ والاعتبار بذكر الخطط و الآثار” والمعروف بين الناس باسم ” الخطط المقريزية” : “إن مصرايم ملك مصر أراد استخراج معدن الذهب والزبرجد والفيروز وغير ذلك من المعادن الموجودة بطريقة الكيمياء، فجعل أمره إلى رجل يقال له مقيطام الحكيم، وكان يعمل بالكيمياء في الجبل الشرقي، فسمى به”. وقيل إنه سمي بذلك الاسم لأن أطرافه منقطعة، وكذلك رواية ياقوت الحموي وغيره كثيرون، فيذكر أن المقطم مأخوذ من القطم وهو القطع كأنه منقطع الشجر والنبات لذلك سمى مقطما.
ويقول ابن الزيات – وزير المعتصم والواثق العباسيين، وعالم باللغة والأدب، وله حكاية طريفة جدا قد نحكيها إن شاء الله – :” إن جبل المقطم كان أكثر الجبال أنهارا وأشجارا ونباتا، فلما كانت الليلة التي كلم الله فيها موسى عليه السلام، أوحى الله تعالى إلى الجبال إني مكلم نبيا من أنبيائي على جبل منكم، فتطاول كل الجبال وتشامخ إلا جبل طور سيناء، فإنه تواضع وتصاغر، فأوحى الله إليه لما فعلت ذلك ؟ وهو أعلم، فقال إجلالا لك يارب، فأوحى الله تعالى إلى الجبال أن يجود كل جبل بشيء مما عليه، فجاد كل جبل بشيء مما عليه إلا جبل المقطم فإنه جاد بجميع ما عليه من الشجر والنباتات والمياه، فصار كما ترون أقرع، أو مقطم من النبات، فلما علم الله سبحانه وتعالى ذلك منه أوحى الله تعالى إليه لأعوضتك عما كان على ظهرك ولأجعلن في سفحك غراس الجنة” .

جبل المقطم للبيع
وحكى الإمام الليث ابن سعد أن المقوقس – و عظيم القبط في فترة ما قبل وأثناء الفتح الإسلامي لمصر- سأل عمرو بن العاص أن يبيعه جبل المقطم بسبعين ألف دينار، فكتب عمرو بذلك إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، فرد عليه قائلا : ” سله لما أعطاك ما أعطاك فيه وهو لا يزرع ولا يستنبط منه ماء ؟” . فسأل عمرو المقوقس عن ذلك فأجاب المقوقس :” إنا نجد في سفحه في الكتب القديمة أنه يدفن فيه غراس الجنة”، فأرسل عمرو الرد للخليفة الذي أجابه بقوله :” نحن لا نعرف غراس الجنة إلا للمؤمنين، فاجعلها مقبرة لمن مات من قبلك من المسلمين”. وقال الكندي :إنه لما أخبر عمرو بن العاصي المقوقس برد أمير المؤمنين بالاحتفاظ بجبل المقطم وعدم بيعه– قال له المقوقس ما على هذا صالحتني – فقطع له عمرو قطيعا نحو بركة الحبش جنوب مصر القديمة ليدفن فيها النصارى– ومن هنا عرف الزهاد والمتصوفون جبل المقطم واتخذوا من سفحه مقاما وأوديته مناما بعد أن عرفوا تقديس الديانات السماوية .
وفى رواية عن سبب تقديس مسيحي مصر لجبل المقطم، ورغبة المقوقس في شرائه للاحتفاظ به، تلك الرواية التي ذكرها القضاعى، وهى أن سيدنا عيسى عليه السلام مر هو وأمه السيدة مريم على هذا الجبل، فقالت له أمه : يا بنى مررنا بجبال كثيرة ما رأينا أكثر أنوارا من هذا الجبل، فقال : عليه السلام : يا أماه يدفن هنا أمة من أمة أخي أحمد، فهذا الجبل غراس الجنة ورياضها.
نقل الجبل المقدس
ومن الأخبار المتعلقة بجبل المقطم وأنه لم يكن في مكانه هذا وكان في مكان أبعد منه قليلا، ما ننقله عن المصادر المسيحية مثل كتاب “أم الرحمة – حكايا مريمية” تأليف أديب مصلح، وموقع الأنبا تيكلا هيمانوت صفحة القديس سمعان الخراز ، أنه في العصر الفاطمي يروى أن المعز لدين الله الفاطمي اول حاكم فاطمي لمصر كان رجلًا مُحِبًّا لمجالس الأدب، والمباحثات الدينية، وكان هناك رجلًا يهوديًّا متعصبًا، اعتنق الإسلام ، وكان اسمه “يعقوب بن كلس”.
وكان مبغضًا للمسيحيين، خاصة “قزمان بن مينا الشهير بأبو اليمن”. وفي يوم من الأيام أرسل الخليفة للأب البطريرك ليحدد موعدًا ليُحاجِج اليهود أمامه.. فاصطحب معه الأنبا ساويرس بن المقفع أسقف الأشمونين (بالصعيد).. فبدأ الأسقف باتهام اليهود بالجهل! وأفحم اليهودي باستشهتاده بالآية القائلة: “الثور يعرف قانيه، والحمار معلف صاحبه. أما إسرائيل فلا يعرف! شعبي لا يفهم!” .

وكان من أثر ذلك أن تضايق الوزير بن كلس للغاية، وأخذ هو ورفيقه موسى في التفتيش في الإنجيل عن أي آية ترد له اعتباره.. فوجد “لو كان لكم إيمان مثل حبة خردل، لكنتم تقولون لهذا الجبل انتقل من هنا إلى هناك فينتقل، ولا يكون شيء غير ممكن لديكم.” (مت 20:17). فأسرع وأراها للخليفة، وطلب منه أن يجعل النصارى يثبتون صحة هذا الكلام.. فأعجب الخليفة بالفكرة، وخاصة أنه فكَّر في إزاحة الجبل الجاثم شرق المدينة الجديدة (القاهرة)، أما إذا عجز النصارى عن تنفيذ هذا الكلام، فهذا دليل على بُطلان دينهم، ومن ثم تحتم إزالة هذا الدين!! فأرسل الخليفة للبابا وخيَّرهُ ما بين تنفيذ الوصية، أو ترك البلاد، فطلب البابا من الخليفة ثلاثة أيام، ونادى بصوم واعتكاف إلى جميع الشعب.
وفي فجر اليوم الثالث ظهرت السيدة العذراء للبابا، وأرشدته بأن يخرج، والرجل الحامل الجرة الذي سيراه هو الذي سيتمم المعجزة على يديه. وبالفعل خرج وقابل القديس سمعان، وتحدَّث معه، عن حياته وروحياته، وسبب فقده لعينه.. إلخ. فقال القديس للبابا أن يصلي مع الشعب كيرياليسون 400 مرة ويصلي صلاة القداس وهم يحملون الأناجيل والصلبان والشموع.. وهو سيقف معهم خلف البابا كواحد من الشعب، وبعد ذلك يجب على البابا بالسجود مع الكهنة، ويرشم الجبل بعلامة الصليب ، وبالفعل تم كل هذا بالضبط.. وبعد رفع يد البابا يده ورسم علامة الصليب ، إذ بزلزلة عظيمة تحدث، ومع كل قيام من سجدة يرتفع الجبل، ومع كل سجدة يندك الجبل وتظهر الشمس من تحته وهو يتحرك إلى الأمام .
بقلم د. حربي الخولي






