الانتقال للمستقبل: هل يحل نقل مقر الحكم للعاصمة الإدارية بمصر معضلات الإدارة العميقة وينهي أزمات يناير 2011؟

منذ أن بدأت مصر مشروع الانتقال إلى العاصمة الإدارية الجديدة، يتكرر سؤال مشروع بين المتابعين والمهتمين بالشأن العام: هل يكفي تغيير الموقع الجغرافي لمقار الحكم لإحداث نقلة نوعية في إدارة الدولة؟.
وهل يعالج هذا الانتقال، بحكم طبيعته، الأسباب العميقة التي دفعت المصريين إلى النزول للاحتجاج في يناير 2011؟.
هذا السؤال لا يستهدف تقييم مشروع العاصمة الجديدة من الناحية العمرانية أو الاقتصادية في حد ذاته، بل يسعى إلى فحص فرضية أساسية: هل المكان هو المتغير الحاسم في نجاح الدول أم أن هناك عوامل أعمق تستحق النظر؟.
الانتقاد المتكرر
انتقد الرئيس عبد الفتاح السيسي ثورة يناير 2011، عدة مرات معتبرا أنها كادت تعرض الدولة لخطر الانهيار، واتهمها بأنها السبب في كل الأزمات السياسية والاقتصادية التي حلت بمصر حتى الآن.
وكان آخر تصريح للرئيس السيسي يوم 4 يوليو 2026، حيث ربط تراجع قيمة الجنيه المصري بتلك الأحداث، وهو ربط أثار نقاشا حول مدى إسهام السياسات الاقتصادية اللاحقة نفسها في هذا التراجع.
كما أرجعت حكومة مدبولي أكثر من مرة وفي أكثر من مناسبة رسمية، الانتقال إلى العاصمة الإدارية الجديدة، إلى الرغبة في تحصين مؤسسات الدولة من تكرار سيناريو محاصرتها كما جرى خلال يناير 2011.
وتجدر الإشارة إلى أن موقف الرئيس نفسه من ثورة يناير لم يكن ثابتا؛ إذ وصفها في سنوات سابقة بأنها “إرادة تغيير”، قبل أن تتغير لهجة الحديث عنها في مراحل لاحقة.
بعيدًا عن الحكم على هذا التطور في الموقف، يبقى السؤال الجوهري مطروحا: هل يضمن تغيير الموقع الجغرافي للمؤسسات عدم تكرار ما حدث؟، وماذا كانت مطالب ثوار يناير فعليا؟.
للإجابة عن هذا السؤال، من الضروري العودة إلى طبيعة المطالب التي رفعها المحتجون في يناير 2011، والتي تلخصت في الشعار الأشهر: “عيش، حرية، عدالة اجتماعية”، هذه المطالب كانت ذات طابع سياسي واقتصادي وحقوقي، ولم تكن موجهة، بحسب أدبيات كثيرة تناولت تلك المرحلة، ضد مباني المؤسسات أو وجودها المادي، بل ضد الطريقة التي كانت تُدار بها.
وبالتالي يأتي السؤال الثاني، والذي سوف يظهر نتائج ما تم إنجازه بعد هذه السنوات : هل تم معالجة الأسباب التي تسببت في هذه الأزمات؟ أم استمرت أو تفاقمت؟ .
والإجابة من وجهة نظري هي مسألة خلافية تخضع للنقاش السياسي والاقتصادي، ولا أدعي حسمها في هذا المقال، لكن أطرحها كمعيار أساسي لفحص فرضية العاصمة الجديدة.
مرجعية “لماذا تفشل الأمم؟”
وحاولت أن أعتمد بناءا على أراء بعض المتخصصين الذي تناقشت معهم، على مراجع علمية وأكاديمية غير مشكوك فيها نظرا لحيادها ولم اجد أفضل من الرجوع إلى كتاب “لماذا تفشل الأمم؟” (Why Nations Fail)، الصادر عام 2012 للاقتصاديين دارون أسيموجلو وجيمس أ. روبنسون، خصوصا بعد حصول مؤلفيه على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 2024.
واللافت للنظر أن الكتاب يفتتح أطروحته الأساسية بالحالة المصرية، متخذا من ثورة 25 يناير مدخلا لشرح فكرته المحورية حول أسباب نجاح بعض الدول وفشل أخرى.
وتقوم نظرية الكتاب على أن العامل الحاسم في ازدهار الدول أو تخلفها ليس الجغرافيا أو الثقافة أو الدين، بل طبيعة المؤسسات السياسية والاقتصادية القائمة فيها.
ويؤكد المؤلفان أن المحتجين في ميدان التحرير كانوا، من حيث الجوهر، قد استوعبوا هذه الفكرة بالممارسة قبل أن تصاغ نظريا، حين ربطوا الفساد وتردي الخدمات وغياب الفرص بطبيعة النظام السياسي القائم على احتكار نخبة ضيقة للسلطة واستخدامها لخدمة مصالحها.
وطبقا للمعايير التي وضعها المؤلفان في الكتاب، فإن فقر الدول – ومنها مصر – لا يعود إلى ظروف طبيعية أو ثقافية، بل إلى أن مؤسساتها السياسية والاقتصادية تطورت تاريخيا بشكل يركز السلطة في يد قلة، بعكس الدول التي طورت مؤسسات “شاملة” توسع المشاركة وتحمي الحقوق وتفتح باب المنافسة.
مدبولي يستشهد بالكتاب نفسه
ويذكر أن، رئيس الوزراء مصطفى مدبولي سبق واستشهد بالكتاب نفسه خلال مؤتمر “حكاية وطن” في سبتمبر 2023، لكنه قدّم قراءة مختلفة، إذ أرجع الفقر إلى الطبيعة الصحراوية لمصر ومحدودية مواردها وضعف أخلاقيات العمل.
وهي قراءة تستحق الإشارة إليها كجزء من النقاش العام، وإن كانت الأطروحة المركزية للكتاب، كما يوضحها نص المؤلفين، أرجعت الفشل إلى طبيعة المؤسسات لا إلى الجغرافيا أو الموارد.
قوة المؤسسات.. بين بناء المبنى وبناء القواعد والنظام
أما النقطة المحورية التي يطرحها الكتاب، والتي تلامس مباشرة سؤالنا حول العاصمة الجديدة: هل يجعل تحصين مقار المؤسسات في موقع جديد هذه المؤسسات أقوى وأكثر مناعة، كما جاء في تصريحات مسؤولين رسميين حول أهداف الانتقال؟.
وبناءا على ما طرحه المؤلفان أسيموجلو وروبنسون، في الكتاب فإن المحكمة الدستورية مثلا – لا تستمد قوتها كمؤسسة من موقعها الجغرافي أو تحصين مبناها، بل من استقلاليتها وتطبيقها القانون على الجميع بالتساوي.
وقد ميز الكتاب بين نوعين من المؤسسات ، الأولي مؤسسات شاملة؛ تتيح مشاركة سياسية واسعة، وتخضع السلطة للمساءلة، وتحمي حقوق الملكية، وتفتح المجال للمنافسة الاقتصادية دون احتكار.
أما النوع الثاني فهي مؤسسات استخراجية؛ والتي تركز السلطة في يد نخبة محدودة تستخدمها لخدمة مصالحها، فتضعف المنافسة وتنتشر المحسوبية.
وتجدر الإشارة إلى أن هذا الإطار لا يقلل من أهمية وجود سلطة مركزية فعالة قادرة على فرض القانون وتقديم الخدمات، بل يشدد على ضرورة أن تكون هذه السلطة مقيدة بقواعد تمنع احتكارها.
المؤسف أيضا ان المؤشرات الدولية، تضع مصر بحسب مؤشر الديمقراطية الصادر عن مجلة الإيكونوميست لعام 2024 ، في المرتبة 128 مكررًا من أصل 167 دولة، ويصف المؤشر دور مجلس النواب بأنه محدود.
صحيح أنا مثل المخالفين أعلم أن هذه المؤشرات الدولية، كغيرها محل نقاش حول منهجيتها ودقتها، لكنها تبقى أحد المصادر التي يعتمد عليها كأساس يمكن البناء عليه في عملية تقييم هذا النوع من القضايا.
وأعود مرة أخرى لمحاولة الإجابة على السؤال الذي طرحته في بداية المقال، طبقا للإطار النظري لكتاب “لماذا تفشل الأمم؟”، وهي أن الانتقال الجغرافي لمقار الحكم، وإن كان قد يحمل فوائد إدارية أو تنموية أو أمنية لا يمكن إنكارها، لا يعالج بالضرورة الأسباب التي أدت إلى اندلاع احتجاجات وغضب يناير 2011، ما لم يقترن بإصلاح حقيقي في طبيعة عمل المؤسسات ذاتها من حيث الاستقلالية والمساءلة والشفافية وتكافؤ الفرص.
وفي المقابل، لا أنكر وجهة نظر الموالين، والتي تروح لفكرة أن المشروعات العمرانية الكبرى، كالعاصمة الإدارية، قد تسهم بشكل غير مباشر في تحسين الأداء المؤسسي عبر تحديث البنية التحتية والتقنية للإدارة الحكومية، وتقليل الأعباء اللوجستية المرتبطة بالعاصمة القديمة، وهو ما يراه مؤيدو المشروع خطوة ضرورية – وإن لم تكن كافية وحدها – في مسار أوسع للإصلاح.
وبالتالي يبقى الحكم النهائي على مدى نجاح هذا المسار مرتبطا بمعطيات لم تتضح بعد بشكل كامل، وهو ما يجعل النقاش حوله مفتوحا ومشروعا، بعيدا عن أي حكم مسبق في أي من الاتجاهين، وإن كنا نقر بأن المؤشرات الاقتصادية تؤكد أن الدولة المصرية والمواطن المصري يعاني من الأزمات وارتفاع الأسعار ولم يشهد أي تحسن رغم ما يعلن عن إنجازات ومشروعات، بل تزايد الدين العام الخارجي والداخلي لنسب غير مسبوقة في التاريخ الحديث، وهي كلها كانت أحد أسباب لثورة يناير على النظام السابق.
وفي النهاية، نؤكد على أن المباني الحديثة قد تحصن مقار الحكم، لكن السياسات الشاملة هي وحدها ما تحصن الدول، وتساهم في تطورها.
شريف حمادة
كاتب وصحفي مصري





