“الإيجار القديم” بين رفض الشرع وثغرات القانون.. من يملك حق الشقة البديلة بعد رحيل المستأجر؟

تظل قضية “الإيجار القديم” في مصر واحدة من أكثر الملفات الشائكة التي تفجر صراعات ممتدة داخل الأسر المصرية من جهة، وبين الملاك والمستأجرين من جهة أخرى.
ولم يعد النزاع محصوراً في رغبة المالك في استرداد عقاره، بل امتد ليتسبب في قطيعة رحم بين الإخوة الأشقاء حول “أحقية إرث إمتداد ايجار الشقة” بعد وفاة الأب.
في هذا التحقيق، نفتح الملف الأبرز: هل الشقة البديلة أو التعويض المالي يُعد “ورثاً شرعياً” يتقاسمه الأبناء؟، أم أنه حق خالص للابن المقيم؟ وما هو قول الدين والقانون في هذه التشابكات؟.
الشرارة الأولى: المالك يريد الهدم والإخوة يطالبون بـ “الورث”تبدأ القصة بالسيناريو المتكرر في آلاف البنايات المصرية؛ أب يتوفى تاركاً شقة “إيجار قديم”، كان يعيش معه فيها ابن واحد يرعاه حتى لحظة وفاته، بينما استقل بقية الإخوة بحياتهم وتزوجوا خارجها.
يظهر المالك رغبة في هدم العقار القديم لإعادة بنائه “تمليك واستثمار”، ويعرض على الابن المقيم منح شقة بديلة (تمليك أو إيجار) مقابل موافقته على الإخلاء وتسهيل الهدم.
هنا تثور الأزمة العائلية، حيث يتحرك الإخوة غير المقيمين للمطالبة بنصيبهم في هذه الشقة الجديدة أو التعويض، ظناً منهم أنها “ميراث” تركه الوالد، فما هي الحقيقة الشرعية؟.
الرأي الشرعي الحاسم:
توجهنا بالسؤال إلى الدكتور محمود نصار، الأستاذ بكلية دار العلوم والأستاذ بكلية الطائف الإسلامية سابقاً، والذي وضع نقاطاً حاسمة تفصل بين “حق المنفعة” و”التركة الشرعية”.
يؤكد د. محمود نصار أن الفتاوى التي تنص على عدم أحقية الإخوة غير المقيمين في الشقة البديلة هي الفتاوى الأصح والأقرب لمقاصد الشريعة الإسلامية، معللاً ذلك بعدة أصول فقهية، في مقدمتها وأهمها أن الشقة الإيجار ليست تركة.
يوضح د. نصار أن الميراث الشرعي في الإسلام لا يقع إلا على “ما كان يملكه المتوفى ملكية تامة وقت وفاته” من أموال وعقارات وأعيان. وبما أن الشقة القديمة كانت محكومة بعقد “إيجار”، فإن جدرانها ومنفعتها ليست ملكاً للأب، وبالتالي لا تدخل الشقة أصلاً ضمن التركة التي تُقسم كإرث.
التعويض مقابل “فقد السكن” لا الإرث
ويضيف الأستاذ بكلية دار العلوم أن الشقة البديلة (أو التعويض المالي) التي يعرضها المالك هي بمثابة بدل مالي عن “تنازل الابن المقيم عن حقه الشخصي في الامتداد القانوني والسكن”، طبقا للقانون وليس الشرع، فالمالك يعوض الشخص الذي يقع عليه ضرر الإخلاء الفعلي، ولا يقدم هبة أو تركة لعائلة المتوفى.
ما الذي يُورث داخل الشقة؟
يشير د. محمود نصار إلى أن الشيء الوحيد الذي يُعتبر ميراثاً شرعياً ويجب تقسيمه بين جميع الإخوة (للذكر مثل حظ الأنثيين) داخل الشقة القديمة هو “المنقولات والعفش والأثاث والأجهزة الكهربائية” التي اشتراها الأب في حياته وكانت ملكاً خالصاً له، أما عقد الإيجار ومنافعه البديلة، فهي حق خالص للابن الذي كان مقيماً مع أبيه وقت الوفاة.
المنفعة لمن أقام.. ولا عزاء للغائبين
ويتطابق الرأي القانوني في مصر تماماً مع التأصيل الفقهي الذي طرحه الدكتور محمود نصار. حيث يوضح خبراء القانون أن عقود الإيجار القديم تخضع لقوانين استثنائية نظمت “امتداد العقد”.
وبناءا على أحكام محكمة النقض المصرية، فإن عقد الإيجار يمتد تلقائياً لمرة واحدة فقط لجيل الأبناء، ولكن بشرط حاسم وهو: (الإقامة المستقرة والدائمة مع المستأجر الأصلي حتى لحظة الوفاة).
قانوناً، الأبناء الذين تزوجوا وسكنوا في أماكن أخرى قبل وفاة الأب، سقط حقهم تماماً في امتداد العقد، ولم تعد لهم أي صفة قانونية تربطهم بالعقار، وبالتالي ليس لهم أي وجه حق في مطالبة شقيقهم بمشاركتهم في الشقة البديلة.
أصل المعضلة:
وفي سياق متصل، يشير الفقه الإسلامي إلى أن أصل أزمة الإيجار القديم يعود لطبيعة العقود؛ حيث يرى قطاع واسع من الفقهاء أن العقود المؤبدة أو غير محددة المدة والقيمة هي عقود باطلة شرعاً لأن الشريعة تشترط الأجل والأجرة العادلة، وبقاء المستأجر بأجرة زهيدة لا تناسب التضخم فيه غبن للمالك.
بينما رأت فتاوى أخرى أن استمرارها تاريخياً كان تنظيماً استثنائياً من “ولي الأمر” لمصلحة اجتماعية ومنعاً لتشرد الأسر في حقبة معينة.
الفضل الفقهي مقابل الفرض الشرعي
إن الشرع على لسان علمائه، والقانون على لسان نصوصه، يبرئان ذمة الابن المقيم، ويعطيانه الحق الكامل والمنفرد في الشقة البديلة دون إخوته. ولكن، من باب “الفضل، وجبر الخواطر، وصلة الرحم” -وليس الفرض أو الواجب الشرعي- يتجه بعض الأبناء المقيمين لترضية إخوتهم بجزء مالي أو بالتنازل لهم عن العفش تطييباً للنفوس ومنعاً للشقاق، فالبيوت تُبنى بالود والرحمة لا بالنزاعات والمحاكم.
كتب شريف حمادة:
كاتب وصحفي مصري






