الجيش السوداني يقلب موازين دارفور!!
اختراق استراتيجي على الحدود التشادية يهدد خطوط إمداد "الدعم السريع"الخرطوم

في تحول ميداني مباغت هو الأبرز منذ أشهر، تمكنت القوات المسلحة السودانية، مسنودة بـ “القوة المشتركة” التابعة للحركات المسلحة والمقاومة الشعبية، من تحقيق تقدم عسكري واسع في إقليم دارفور المضطرب.
وجاء هذا التقدم بعد نجاح القوات في استعادة السيطرة الكاملة على مدينة ومحلية “كُلبس” الاستراتيجية بولاية غرب دارفور، وتطهير منطقة “جبل مون” الحصينة، مسبوقة بتحرير بلدة “أبو قمرة” في أقصى شمال غرب ولاية شمال دارفور.
وأنهت هذه السلسلة المتزامنة من الانتصارات حالة جمود بري دامت نحو 8 أشهر في الإقليم منذ سقوط مدينة الفاشر.
وتتجاوز معارك “كُلبس وجبل مون” كما يؤكد السودانيين كونها مجرد استعادة لبلدات حدودية؛ بل إنها تمثل ضربة استراتيجية مزدوجة لخطوط إمداد قوات الدعم السريع وعمقها الميداني، وإذا نجح الجيش في الحفاظ على هذه المكاسب وتطويرها، فإن إقليم دارفور قد يشهد تحولاً جذرياً يغير مسار الحرب السودانية برمتها.
وقد أكدت مصادر ميدانية، أن المعارك الحالية تحولت إلى ما يشبه “حرب كسر عظم”، حيث اعتمدت غرف العمليات العسكرية للجيش تكتيكات هجومية مكثفة بمشاركة الطيران الحربي والمسيّرات لضرب تجمعات قوات الدعم السريع.
وأسفرت المواجهات عن تكبيد الفصيل المتمرد خسائر فادحة في الأرواح والعتاد، شملت أسر قائد القوات في المنطقة، العميد صالح دودين، رفقة العشرات من جنوده، والاستيلاء على مخازن ذخيرة ضخمة ومركبات قتالية.
وفي بيان رسمي، وصف المتحدث باسم القوة المشتركة، متوكل وكيل، المعارك بـ “الحاسمة”، مشيراً إلى أن السيطرة امتدت لتشمل محليات محيطة مثل سربا، وصليعة، وجرجيرة، بهدف تفكيك الجيوب المتبقية للدعم السريع.
من جانبه، علق حاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي، مؤكداً أن القوات المشتركة والجيش لقنوا المليشيا “درساً لا يُنسى”، مشدداً على أن معنويات القوات في أعلى مستوياتها لإكمال تحرير الإقليم بالكامل
قراءة استراتيجية للموقف الميداني الجديد
يعكس هذا التطور العسكري المفاجئ فصلاً جديداً من فصول الحرب السودانية المستمرة، وينقل مركز الثقل العملياتي من الدفاع إلى الهجوم لصالح الجيش وحلفائه في دارفور.
ويمكن تفكيك أبعاد وتداعيات هذا الموقف الجديد عبر المحاور التالية:
الأهمية الاستراتيجية والجغرافية (قطع شريان الحياة) خنق الإمداد الحدودي:
تكتسب مدينة “كُلبس” ومحيطها أهمية جغرافية فائقة لكونها تقع على بعد 160 كيلومتراً شمال مدينة الجنينة (عاصمة غرب دارفور)، ومتاخمة مباشرة للحدود التشادية.
كما تعني السيطرة عليها إغلاق الممرات الوعرة التي كانت تُستغل كقنوات لوجستية حيوية لعبور المقاتلين والعتاد العسكري لصالح قوات الدعم السريع من خارج الحدود.
حصانة جبل مون: يُعد جبل مون (74 كيلومتراً من الجنينة) معقلاً طبيعياً وعراً يصعب اختراقه، وتحويله إلى مركز قيادة وسيطرة متقدم للجيش يمنحه تفوقاً دفاعياً وهجومياً يكشف مساحات واسعة من ولاية غرب دارفور.
تهديد معاقل الدعم السريع الرئيسية: ويضع هذا التقدم الجيش والقوة المشتركة على مسافة قريبة من مدينة الجنينة، المعقل الأساسي والسياسي لقوات الدعم السريع في الغرب، مما ينقل التهديد مباشرة إلى عمق مناطق سيطرتهم ويمثل انتكاسة معنوية وعسكرية بالغة لهم.
تخفيف الضغط عن المحاور الأخرى: عودة العمليات البرية النشطة في دارفور تجبر قيادة الدعم السريع على سحب جزء من قواتها من جبهات مشتعلة أخرى، مثل ولايات كردفان (الأبيض) أو محيط الخرطوم، لتعزيز جبهة الغرب المتهاوية، وهو ما ظهر بالفعل في رصد تحركات وحشود متبادلة مؤخراً.
الأبعاد السياسية والإقليميةالضغط على دول الجوار:
يمثل هذا التقدم رسالة سياسية قوية من الحكومة السودانية لدول الجوار، وتحديداً تشاد. حيث تفرض السيطرة الميدانية للجيش على شريط الحدود واقعاً لوجستياً جديداً يمنع استغلال الأراضي التشادية كعمق خلفي للدعم السريع.
تعزيز الموقف التفاوضي: يمنح هذا الانتصار سلطة مجلس السيادة بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان أوراق ضغط قوية في أي مبادرات دولية أو إقليمية مقبلة لوقف إطلاق النار، حيث يثبت الجيش قدرته على استعادة الأرض وتغيير الخرائط الميدانية التي ظن البعض أنها استقرت لصالح الطرف الآخر.
بقلم شريف حمادة
كاتب وصحفي مصري







