الجيل الذي هزم نفسه!!

من أكثر الأكاذيب انتشارًا في عصرنا أن الرجال أصبحوا ضعفاء لأن الظروف أصبحت أصعب.
ورغم أن الظروف قاسية فعلًا، فإن المشكلة أعمق من ذلك بكثير.
فأجيال سابقة واجهت قسوة من نوع آخر، لكنها كانت أكثر استعدادًا لدفع الثمن، وأكثر اقتناعًا بأن الحياة لا تمنح شيئًا مجانًا.
أما اليوم، فأصبح كثيرون يريدون المكاسب، لكنهم يكرهون الفاتورة.
يريدون جسدًا قويًا دون رياضة، ومالًا دون تعب، واحترامًا دون إنجاز، ومكانة الرجال دون مسؤولية .
تحولت الراحة من مكافأة مؤقتة إلى أسلوب حياة، وتحول الترفيه من استراحة قصيرة إلى وظيفة بدوام كامل.
يقضي أحدهم ساعات طويلة يتنقل بين المقاطع القصيرة والمنشورات وحياة الآخرين، ثم يقول إنه لا يجد وقتًا لقراءة كتاب أو تعلم مهارة أو بناء شيء يغير مستقبله.
يريد حياة استثنائية بينما يعيش أيامًا متطابقة، ويريد نتائج مختلفة بينما يكرر الأفعال نفسها كل يوم، ثم يغضب عندما لا يتغير شيء،
وكأن الزمن مطالب بأن يكافئه على مجرد الانتظار.
والحقيقة أن الزمن لا يكافئ من ينتظر، بل يكافئ من يتحرك. ولا يعاقب الكسالى بحرمانهم من الأحلام، بل يعاقبهم بأن يروا أحلامهم تتحقق على يد أشخاص كانوا أقل منهم موهبة وأكثر منهم التزامًا.
وهنا يبدأ الألم الحقيقي.
ليس عندما يفشل الإنسان، بل عندما يكتشف أن الحياة التي كان يتمنى الوصول إليها لم تكن بعيدة عنه كما كان يظن.
وأن الذي هزمه لم يكن منافسًا أقوى منه.
بل لأنه كان يوقع على هزيمته بيده كل يوم، ثم يتساءل من الذي أسقطه.
وكان أسوأ ما في الأمر أنه ظل سنوات طويلة يبحث عن خصم في الخارج، بينما كان خصمه الحقيقي يعيش داخله.
الحقيقة المزعجة أن كثيرًا من الرجال لا تنقصهم الفرص بقدر ما تنقصهم الجرأة على مواجهة أنفسهم. فمن السهل أن تتهم الظروف والحظ والناس، لكن الأصعب أن تعترف بأن العادات الصغيرة، والتأجيل المستمر، والأعذار اليومية كانت تهزمك بصمت أكثر مما هزمك أي خصم خارجي.
المشكلة أن كثيرين لم يعودوا يبحثون عن النجاح، بل عن الشعور بالنجاح.
يريدون مظهر الإنجاز أكثر من الإنجاز نفسه، وصورة المنتصر أكثر من الانتصار، ولذلك امتلأت حياتهم بالكلام عن التغيير، بينما بقي التغيير غائبًا عن حياتهم.
فالإنسان لا يدمر حياته بقرار واحد كبير، بل بألف قرار صغير، وألف تأجيل، وألف عذر، وألف مرة يقول فيها: سأبدأ غدًا.
ثم يمر الغد، ويأتي الذي بعده، حتى يكتشف أن السنوات التي كان ينوي أن يبدأ فيها… أصبحت هي نفسها السنوات التي ضاعت منه.
وفي النهاية يكتشف أن أكبر عملية نصب تعرض لها لم تكن من المجتمع، ولا من الظروف، ولا من أحد.
لقد كان هو النصاب، وهو الضحية في الوقت نفسه.
بقلم محمود حمدي


