اللقب الذي قد يقتل!!

كل لقب يُمنح بغير استحقاق… قد يتحول غدًا إلى تقرير وفاة، أو منزل ينهار، أو قرار يدمر حياة أسرة كاملة. فالمشكلة ليست في الشهادة، بل في اللحظة التي يُعامل فيها اللقب وكأنه فوق السؤال، وفوق المراجعة، وفوق المحاسبة. عندها لا يعود دليلًا على الاستحقاق، بل قد يصبح ستارًا يحجب السؤال عن الكفاءة، ويطالب الناس بثقةٍ لا يمنحها إلا الأداء، لا اللقب.
كان الحصول على اللقب يومًا ثمرة سنوات من الانضباط، والاختبارات، والتدريب، وتحمل المسؤولية. كان اللقب عهدًا بين صاحبه والمجتمع، لا مجرد كلمة تسبق الاسم.
لم تعد المشكلة نقص أصحاب الألقاب، بل أن بعض الألقاب لم تعد تعني بالضرورة أن صاحبها يمتلك الكفاءة التي ينتظرها المجتمع. فعندما يُمنح اللقب قبل اكتمال الكفاءة، يمتد الخطر إلى كل من يضع ثقته فيه. وعند وقوع الكارثة لن يسأل الضحايا عن اسم الجامعة، بل سيسألون: كيف سُمح لمن لم يكتمل تأهيله أن يتحمل مسؤولية حياة الناس؟
لكن الخطر الحقيقي يبدأ عندما يصل غير الأكفأ إلى موقع القرار. فهناك لا تصبح الأخطاء تصرفات فردية، بل قرارات يدفع ثمنها الجميع.
المأساة ليست أن يخطئ الإنسان، فكل البشر يخطئون. المأساة أن يصبح المنصب درعًا يحتمي به المخطئ، وأن تتحول الواسطة إلى بديل للكفاءة، والمحاسبة إلى استثناء لا قاعدة. عندها لا يتوقف الخطأ، بل يتكرر حتى يصبح عادة.
ولا تقل خطورة عن الخطأ نفسه طريقة التعامل معه. فالقوة الحقيقية لا تُقاس بإنكار الأخطاء، بل بالمكاشفة، والتحقيق، ومحاسبة المسؤول عنها أيًا كان منصبه.
أما حين تتحول حماية المنتسبين إلى حماية للخطأ، يصبح إنكار الحقيقة أخطر من الخطأ نفسه. فالخطأ قد يُصحح، أما إنكار الخطأ فيسمح بتكراره حتى يتحول إلى ثقافة.
لا أحد يطالب بإدانة أحد قبل التحقيق، لكن لا يجوز تجاهل الأدلة أو الالتفاف على الوقائع التي تستحق التحقيق. فما تثبته الأدلة يجب أن يخضع لتحقيق مهني مستقل ونزيه، لا أن يُواجه بالإنكار أو المحسوبية. فالعدالة لا تحمي المهنة بإخفاء أخطاء أفرادها، بل بكشف الحقيقة، وإنصاف المظلوم، ومحاسبة المخطئ أيًا كان اسمه أو مكانته.
فالمهن لا يحميها الصمت عن الخطأ، بل تحميها معايير واضحة، وتأهيل حقيقي، واختبارات ترخيص حقيقية، وتقييم دوري، ومحاسبة عادلة لا تستثني أحدًا. كما يجب أن تخضع الجهات الرقابية نفسها للمراجعة، لأن الرقابة التي لا تُراقَب قد تصبح جزءًا من المشكلة بدلًا من الحل. فالدول لا تحمي مواطنيها بكثرة أصحاب الألقاب، بل بضمان أن كل لقب يسبقه تأهيل حقيقي، ويلازمه تقييم مستمر، وتتبعه محاسبة عادلة.
فالمريض لا يبحث عن لقب “دكتور”، بل عن طبيب يحمي حياته، والأسرة لا يطمئنها لقب “مهندس”، بل بيت لا ينهار فوق رؤوس أبنائها.
إذا كانت الجهات المعنية واثقة من نزاهة أبنائها، فلماذا تخاف من التحقيق المستقل؟ ولماذا تُعامل المحاسبة كأنها إساءة، بينما هي الضمان الوحيد لحماية شرف المهنة؟
إذا كانت الحقيقة لا تخاف التحقيق… فمن الذي يخشاه؟
بقلم محمود حمدي


